التجربة لم تحصل ، فإذا حصلت التجربة وحفظت صار عقلا بالفعل ويتزيّد هذا العقل الذي بالفعل بازدياد التجارب في كل سن من أسنان الإنسان « 1 » في عمره ، والتعقل :
هو القدرة على جودة الرّوية والاستنباط للأشياء التي هي أجود وأصلح فيما يعمل ليحصل للإنسان خير عظيم في الحقيقة وغاية فاضلة شريفة ، كانت تلك هي السعادة ، أو شيء مما « * » له غناء « 2 » عظيم في أن ينال به السعادة « 3 » .
والعقل نور يقذف في القلب فيستعد لادراك الأشياء فيعلم جواز الجائزات ، واستحالة المستحيلات ، ويلمح عواقب الأمور ، وذلك النور يقلّ ويكثر فإذا قوي قمع الهوى بملاحظته العواقب ، ومحلّه الدماغ عند أكثر الحكماء وبعض الفقهاء ، والقلب عند أكثر الفقهاء وبعض الحكماء ، أو هو مشترك بينهما فيه خلاف مشهور . وقيل إن العقل نور الرّوح ، وأن العقل لسان الرّوح وترجمان البصيرة والبصيرة للرّوح بمثابة القلب والعقل بمثابة اللّسان ، ولكل شيء جوهر ، وجوهر الإنسان العقل ، والحق أن العقل روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية ، وبه يمتاز الإنسان من سائر الحيوان ، غير أن للعقل آفات منها الهوى ، وهو أغمض مسلكا في الحيوان من الرّوح في الجثمان ، وأملك للنفس من النفس . قال بعضهم : شعر « 4 » : ( الخفيف )
أنفس حرّة ونحن عبيد / 11 أ /
إن رقّ الهوى لرق شديد
إلّا أنه قال بعضهم : ( الطويل )
جنون الهوى فوق الجنون وما ترى
هوى عاقل إلّا كآخر جاهل
وقال بعضهم : « 5 » شعر ( البسيط )
ذو الجهل يفعل ما ذو العقل يفعله
في النائبات ولكن بعد ما افتضحا
هامش
( 1 ) جاءت في الأصل ( في كل شيء من أسباب الإنسان ) والتصحيح من نص الفارابي .
* جاءت في الأصل على النحو التالي : ما .
( 2 ) جاءت في الأصل ( ما له غنى ) والتصحيح من نص الفارابي .
( 3 ) أنظر الفارابي فصول منتزعة ص 54 - 55 .
( 4 ) البيت لعلي بن الجهم ، المخلاة ، ص 266 .
( 5 ) جاءت في الأصل : إلا أن قال بعضهم .