اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ
« 1 » . وقال بعض الحكماء : ذلّة العبد رجوع إلى أصله وتكبّره خروج عن أصله ومن خرج عن أصله جهل وتعب ، ومن تفكر ونظر تبصّر وصبر ، وتاب واستغفر ، ومن انقطع عن التعلّق بالخلائق وتعلّق بالخالق استجاب له وكشف عنه ، وعلى قدر الكسر يكون الجبر .
والعبد إذا أذنب وأتبعها استغفارا لم يبق في وبالها مصرّا إذا كان متيقظا مشرفا على أموره ، وإذا كان منه العيوب والذّنوب ولهى عن النّدم والاستغفار تراكمت / 196 ب / الذنوب والعيوب فجاء العسر ووقع في شؤم غفلته . وهذا من عذابه الأدنى ، فإذا تيقّظ وندم واستغفر صار له من الذنوب فرج ، ومن الضيق مخرج وترك الاصرار من التقوى . قال اللّه تعالى
الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
« 2 » فسمّاهم أهل تقوى لعدم الاستقرار في الذّنوب والإصرار عليها .
وجاء في الحديث « ما أصاب عبدا مصيبة فما فوقها إلّا بإحدى خلّتين ، بذنب لم يكن اللّه ليغفره إلّا بتلك المصيبة أو بدرجة لم يكن اللّه ليبلّغه إيّاها الا بتلك المصيبة » . قال اللّه تعالى
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً
« 3 » ، وكان بشر بن الحارث « 4 » يقول : الدّعاء ترك الذّنوب . وجاء في الحديث « لا يقضي اللّه للمؤمن قضاء إلّا كان خيرا إن أصابته سراء فشكر وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له فليس ذلك الا للمؤمن » « 5 » .
وكم في طيّ البلايا منح وعطايا وفي الزّوايا خبايا . وفي العلل أسباب لاستخراج حالات الصبر والرضا والشكر والتسليم والتوكّل والتفويض والدعاء والتضرّع لما يترتب على كل ذلك من الثواب الجزيل ، وتأكيدا لبصائرهم في رحمة الممتحنين والشفقة على المبتلين وتذكرة لغيرهم وموعظة ، ويخفّف عليهم النزع وشدّة السكرات عند مماتهم بتقدّم المرض وضعف النفس والجسم بذلك ،
هامش
( 1 ) سورة لقمان : آية ( 32 ) .
( 2 ) سورة الأعراف : آية ( 20 ) .
( 3 ) سورة الأنفال : آية ( 17 ) .
( 4 ) سبقت ترجمته .
( 5 ) مسند ابن حنبل 4 / 332 ، 337 ، 6 / 15 .