وجاء في الحديث « إن اللّه يحب التقي الخفي » « 1 » ، انّما يهلك النّاس في فضول الكلام وفضول المال .
وقال بعض الحكماء : أضرّ الأشياء عليك أن تعلم النّاس أنك أحسن حالا منهم ، وممّا نتعجب منه أن الشهرة آفة وكلّ النّاس يتولاها ، والخمول راحة وكل النّاس يتوقاها ، [ وقال بعضهم ] « 2 » : شعر ( الخفيف )
إن مدحت الخمول نبّهت قوما
غفلا عنه سابقوني إليه
هو قد دلّني على لذة العيش
فما لي أدلّ غيري عليه
ورأي جميع السّلف الصالح على ايثار العزلة وتواصوا به ، ولا / 131 أ / شك أنهم كانوا أبصر وانصح . وأن الزمان لم يصر بعدهم خيرا ممّا كان بل أشرّ وأقبح ، وأنّنا في زمان كانوا ( كذا ) أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتعوّذون بالله من أن يدركوه فيما بلغنا عنهم ، ولهم من العلم ما ليس لنا ، فكيف بنا حين أدركناه على قلّة علم وقلّة صبر وقلة أعوان على البرّ والتّقوى وكثرة كدر من الدّنيا وفساد من النّاس ، طوبى لمن أصبح والعبادة حرفته ، والعزلة شهوته ، والآخرة همته ، وفي الموت فكرته ، راجيا بالتوبة رحمته ، وقال ابن عبد البر « 3 » في التمهيد « 4 » : وقد فضّل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العزلة لا سيما في زمن الفتنة وفساد النّاس ، شعر ( الوافر )
أمور تفرح السّفهاء منها
ويخشى من عواقبها اللّبيب
ومن فوائد العزلة أن ينقطع طمع النّاس عنك ، وينقطع طمعك عن النّاس . أما
هامش
( 1 ) أورده الزمخشري في ربيع الأبرار 1 / 768 .
( 2 ) زيادة من أحمدية .
( 3 ) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي ( ت 493 ه / 1071 م ) من كبار حفاظ الحديث مؤرخ ، أديب ، ولد بقرطبة ، ولي قضاء لشبونة وشنترين ، توفي بشاطبة ، له العديد من الكتب في السيرة والتراجم والحديث والفقه . جذوة المقتبس ، ص 344 ؛ بغية الملتمس 474 ؛ الصلة 4 / 640 - 642 م ؛ الديباج المذهب ، 257 ؛ تذكرة الحفاظ 2 / 143 ؛ وفيات الأعيان 7 / 66 - 77 ؛ شذرات الذهب 3 / 318 ؛ المغرب في حلى المغرب 2 / 407 - 408 .
( 4 ) عنوان الكتاب الكامل : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ، يقع في أكثر من 20 مجلد . كشف الظنون