فصل وممّا قيل في الحياء
روي أن ممّا أوصى النبي صلى اللّه عليه وسلم عليا رضي اللّه عنه قال : « يا علي إن لكل شيء آفة وآفة الحديث الكذب ، وآفة العلم النسيان وآفة العبادة الرياء ، وآفة الظرف الصلف وآفة الشجاعة البغي ، وآفة السماحة المن ، وآفة الجمال الخيلاء ، وآفة الحسب الفخر ، وآفة الفضل / 43 أ / البخل ، وآفة الجود السرف ، وآفة الصّلاح الكبر ، وآفة الدين الهوى ، وآفة الحياء الضعف » « 1 » . ومدح الحياء رجل عند الأحنف « 2 » .
فقال الأحنف : ثم يعود ضعفا . والخير لا يكون سببا للشر ولكنّا نقول : الحياء اسم لمقدار من المقادير فما زاد على ذلك فسمه ما أحببت ، كما أن الشجاعة مقدار ، فالتهور اسم لما تجاوز ذلك المقدار ، وللحزم مقدار ، فالجبن اسم لما فضل عن ذلك المقدار ، وللاقتصاد مقدار فالبخل اسم لما خرج عن ذلك المقدار ، والجود اسم لمقدار من المقادير والسرف اسم لما زاد على ذلك المقدار ، وإنما وقع النهي على كل شيء جاوز المقدار المقدّر حسنه عند العقل السليم ، والرأي القويم ، ويقال : الزيادة عيب والنقصان عجز ، والاستحياء من الحق باطل . الزيادة في الحد نقصان في المحدود ، ومن استحيي في شيء ينفعه أو في شيء يضرّه فإنّما هو وهم يلقيه الشيطان ، وكل ذي وجه حيي ذو لسان عييّ لا ينشط لحاجة ولا يعرف لجاجة لا يزال ضيق الذرع وكيّ « 3 » الضرع ، يشبع غيره وهو طيّان « 4 » ومعتقل « 5 » . يعطش وغيره ريان ،
هامش
( 1 ) الجامع الصغير 1 / 4 .
( 2 ) سبقت ترجمته .
( 3 ) وكيّ : الوكاء كل سير أو خيط يشد به فم السقاء أو الوعاء ، لسان العرب ( مادة : وكي ) .
( 4 ) طيان : من الطوى وهو الجوع ، لسان العرب ( مادة : طين ) .
( 5 ) معتقل : محبوس ، لسان العرب ( مادة : عقل ) .