مفتوحة والماء جاريا كان مملوءا ، وإذا استدت نقص . كذا جداول القلب والعين يجري إليها من الألوان والأشكال ، والاذن يجري إليها بها الأصوات ، وكذا الشم والذوق فهذه هي طريق العلماء ، وأما الثاني : هو طريق الأولياء لا يفتح إليه الجداول ، بل يحفر ويرمي طينه حتى ينبع الماء من تحته فيصير مملوءا من غير نقصان وإلى هذا أشار اللّه ( تعالى ) بقوله :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 1 » .
وقيل : همّ الدنيا ظلمة في القبر وهمّ الآخرة نور في القلب .
وقال اللّه ( تعالى ) :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا
« 2 » أي تركناه فلم نسمه بسمة أهل الطهارة والتقوى وذلك من قبيل سوّدنا قلبه بسبب الغفلة عن ذكرنا .
واعلم : أن هذه الكلمة تدل على أن شر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خاليا عن ذكر الحقّ ( تعالى ) مملوءا من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالحق ، وتحقيق القول فيه أن ذكر اللّه نور وذكر غير اللّه ظلمة ، لأن الوجود طبيعة النور والعدم منبع الظلمة ، والخالق ( تعالى ) واجب الوجود لذاته ، فكان النور الحق هو اللّه ( تعالى ) وما سوى اللّه فهو ممكن الوجود لذاته ، والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع الظلمة ، فالقلب إذا أشرق فيه ذكر اللّه فقد حصل فيه النور والضوء والإشراق ، وإذا توجه القلب إلى الخلق فقد حصل فيه الظلم والظلمة بل الظلمات ، ومهما أعرض عن الحقّ وأقبل على الخلق فقد حصلت الظلمة الخالصة التامة فالإعراض عن الحقّ هو المراد بقوله :
أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا
والإقبال على الخلق هو المراد بقوله ( تعالى ) :
وَاتَّبَعَ هَواهُ .
وقال بعض الحكماء : إذا اعرض لك أمران ولم يحضرك من تثق بمشورته فاجتنب أقربهما إلى هواك ، وذلك أن الهوى عند أهل الحكمة عدو العقل .
وقال بعض الملوك لعابدين في زمانه : ما يمنعكما من إتياني وأنتما عبدان لي ؟
قالا : إن صدقتنا علمت أنّا لسنا بعبدين لك ولكنك أنت عبد لعبيدنا ، قال : وكيف هذا ؟
قالا : هل تعلم أنا نعمل شيئا لغضب أو هوى ؟ قال : لا ، قالا : فهل تفعل أنت ذلك ؟
قال : نعم . قالا : قد ملكناك وملكناهما وأنت أذل عبد لعبيدنا .
وقال الحسن البصري : الحريص الجاهل والقانع الزاهد كلاهما مستوف لرزقه غير منتقص شيئا قد قدر له ، فعلام التهافت في النار .
هامش
( 1 ) - العنكبوت : 69 .
( 2 ) - الكهف : 28 .