بإحسان اللّه وإنعامه ، ولهذا المعنى قال ( تعالى ) :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
ومن تمام كرامته على اللّه أن وصف نفسه بالإكرام متى خلقه وعلمه ما لم يعلم فقال :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ،
ثم وصف نفسه بالتكريم عند تربيته فقال
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
ثم وصف نفسه بالكريم في آخر أحوال الإنسان فقال :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
« 1 » وهذا يدل على أن لا نهاية لكرمه وفضله مع الإنسان .
الوجه الحادي عشر : قال بعضهم : معنى هذا التكريم أنه ( تعالى ) خلق آدم بيده وخلق غيره بكن فيكون ، ومن كان مخلوقا بيده الكريمة العالية كانت العناية به أتم وكان أكرم وأكمل ، وكذا يكون بنوه وذريته أكمل من غيرهم ، ويدل أيضا على غاية التكريم تتمة الآية وهو قوله ( تعالى ) :
وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ،
قال ابن عباس : في البر على الخيل والبغال والحمير والإبل وفي البحر على السفينة ، وهذا أيضا من مؤكدات التكريم المذكور أولا لأنه ( تعالى ) سخّر هذه الدواب له ليركبها ويحمل عليها ويكتسب بها ما يختص به ابن آدم ، وكل ذلك يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع وكل ما سواه من المخلوقات كالرعية والعبيد له ، ثم أوضح ذلك التكريم بما خص ابن آدم من المدائح والمنائح بقوله ( تعالى ) :
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
وذلك لأن الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، والإنسان يغتذي بألطف كلا القسمين وأشرف أنواعهما بعد اللذة التامة والطبخ الكامل والنضج النافع « 2 » وذلك مما لا يحصل إلّا للإنسان ، وقوله ( تعالى ) :
وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
« 3 » وقال ( تعالى ) في أول الآية
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
وقال في آخرها
وَفَضَّلْناهُمْ
ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل والإكرام والتكريم ، والأقرب أن يقال : انه ( تعالى ) فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والصورة الحسنة والقامة المديدة ، ثم إنه ( تعالى ) عرضه بواسطة ذلك العقل لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ، فالأول هو التكريم ، والثاني هو التفضيل ، وقوله ( تعالى ) :
وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ
ولم يقل على الكل فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات اللّه شيء لا يكون الإنسان مفضلا عليه ، وكل من أثبت هذا القسم قال أنه هو الملائكة ، فلزم القول بأن الإنسان
هامش
( 1 ) - الانفطار : 6 .
( 2 ) - خ ل : اليانع .
( 3 ) - الاسراء : 70 .