وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
« 1 » فكيف يحصل ظن الاستحقاق ؟
الحجة الثانية : أن الكرامات أشياء متغايرة للحق ( تعالى ) ، فالفرح بالكرامة فرح بغير الحق ، والفرح بغير الحق حجاب عن الحق ، والمحجوب عن الحق كيف يليق به الفرح والسرور ؟
الحجة الثالثة : أن من اعتقد في نفسه أنه صار مستحقا للكرامة بسبب عمله حصل لعمله وقع عظيم في قلبه ، ومن كان لعمله وقع عنده كان جاهلا ، إذ لو عرف ربه لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلاله تقصير ، وكل شكرهم في جنب آلائه ونعمائه قصور ، وكل معارفهم وعلومهم في مقابلة عزته حيرة وجهل وثبور .
وروي أنه قرأ في مجلس الشيخ أبي علي الدقاق قوله ( تعالى ) :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
« 2 » فقال الشيخ علامته أن الحق إذا رفع عملك أن لا يبقى عندك فإن بقي عملك في نظرك فهو غير مرفوع ، وإن لم يبق معك فهو مقبول مرفوع .
والحجة الرابعة : أن صاحب الكرامات إنما وجد الكرامة لإظهار التذلل والتضرع في هذه الحضرة ، فإذا ترفع وتجبّر بسبب الكرامة فقد بطل ثوابه ، وإن وصل إلى الكرامة فهذا طريق يفضي ثبوته إلى عدمه فكان مردودا ، ولهذا المعنى لما ذكر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حال نفسه أورد ما أكرمه اللّه به كان يقول في آخر كل واحد منها : « ولا فخر ، يعني أنا لا أفتخر بهذه الكرامات بل أفتخر بالكرام المعلى .
الحجة الخامسة : أن صورة الكرامة في حق إبليس وبلعام كان ظاهرا ، ثم قيل لإبليس وكان من الكاذبين « 3 » ولبلعام فمثله كمثل الكلب . وقيل لعلماء بني إسرائيل :
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
« 4 » وبيّن ( تعالى ) في ذمّهم بقوله :
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
« 5 » ان وقوعهم في ظلم الضلالات كان بسبب فرحهم بما أوتوا من العلم والزهد .
الحجة السادسة : أن الكرامة غير المكرم وكل ما هو غير المكرم فهو ذليل ، وكل من تعزز بالذليل فهو ذليل ، ولهذا المعنى قال الخليل عليه السّلام : أما إليك فلا ، فلاستغناء بالفقير
هامش
( 1 ) - النساء : 113 .
( 2 ) - فاطر : 10 .
( 3 ) - خ ل : الكافرين .
( 4 ) - الجمعة : 5 .
( 5 ) - البقرة : 213 .