وخامسها : الإملاء قال ( تعالى ) :
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
« 1 »
وسادسها : الأخذ ، قال ( تعالى ) :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
« 2 » ، وقال في قصة فرعون :
فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ
« 3 » فظهر بهذه الآيات أن الإيصال إلى المرادات لا يدل على إكمال الدرجات والفوز بالخيرات .
الفصل الثاني عشر
نذكر فيه الفرق بين الكرامات وبين الإستدراجات وغير ذلك من الحجج الظاهرة فنقول : إن صاحب الكرامة لا يستأنس بذكر الكرامة بل عند ظهور الكرامة صار خوفه من اللّه أشد وحذره من قهره أقوى لأنه يخاف أن يكون ذلك من باب الإستدراج ، وأما صاحب الإستدراج فإنه يستأنس بذلك الذي يظهر عليه ويظن أنه إنما وجد تلك الكرامة لكونه مستحقا لها ، فحينئذ يستحقر غيره ويتكبر عليه ويحصل له أمن من مكر اللّه وعقابه فلا يخاف سوء العاقبة ، وإذا ظهر شيء من هذه الأحوال على واجب الكرامة دل ذلك على أنها كانت استدراجا لا كرامة ، ولهذا المعنى قال المحققون أكثر ما اتفق من الانقطاع عن حضرة اللّه ( تعالى ) إنما وقع في مقام الكرامات ، فلذلك ترى المحققين يخافون الكرامات كما يخافون البليات ، والذي يدل على أن الإستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه تتضمن أحد عشر حجة .
الحجة الأولى : أن هذا الغرور إنما يحصل إذا اعتقد الرجل أنه مستحق لهذه الكرامة ، لأنه على تقدير أن لا يكون مستحقا لها امتنع حصول الفرح بها ما يجب أن يكون فرحه بكرم المولى وفضله أكثر من فرحه بنفسه ، فثبت أن الفرح بالكرامة لا يحصل إلّا إذا اعتقد أنه مستحق لها ، وهذا عين الجهل لأن الملائكة :
قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
« 4 » وقال ( تعالى ) :
وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ
« 5 » وقال لنبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
هامش
( 1 ) - آل عمران : 178 .
( 2 ) - الانعام : 44 .
( 3 ) - القصص : 40 .
( 4 ) - البقرة : 32 .
( 5 ) - الانعام : 91 .