الدنيا والآخرة مثل ضرتين إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى .
وقال ابن السماك : من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها جرعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها ، فلمّا كان الجمع بين حبّهما محالا وكان تقديم الدنيا على الآخرة ضلالا كان ينبغي للعاقل أن يريد للآخرة بالا ويعرض عن فتنة الدنيا أولادا وأموالا ، ويتعرض لنفحات الحق قبولا وإقبالا وسيئاته من الدنيا راغما لو التفت إليه بإكراه سعيا واحتفالا .
وقال بعض السلف : من عمل للآخرة أحرزها والدنيا ، ومن آثر الدنيا حرمها والآخرة .
وروي من قول عيسى عليه السّلام : أوحى اللّه إلى الدنيا : من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه .
تاسعها : أنّ في محبّة الدنيا والحرص على جمعها أحد نقصين : نقص الإيمان أو نقص العقل ، أما نقص الإيمان فمن وجهين أحدهما أن لا يؤمن بقضاء اللّه وقدره إذ قد سبقا بما يدركه المرء من إكثار وإقتار ، والمقدر كائن لا محالة ، فإن كان إكثارا فليرح العاقل نفسه وليرتإبها عن ذلة الطلب ، وإن كان إقتارا فليس له من سعيه إلّا النصب مع أنّ الإرادة تخصيص المقدر بالوقوع في وقت دون ما قبله وما بعده ، فلا يتعجله سعي الكدود ولا يؤخره طول القعود .
وقيل لحاتم الأصم : علام بنيت أمرك ؟ فقال : على أربع خلال : علمت أنّ لي رزقا لا يصل إليه غيري ولا بدّ لي منه فاطمأنّت لذلك نفسي ، وعلمت أنّ لي عملا لا يعمله غيري فأنا مشتغل به ، فلله دره لقد جمع في هذه الكلمات خير الدنيا والآخرة .
وقال إبراهيم الخواص : العلم كلمة في كلمتين لا يتكلّف ما كفيت ولا تضع ما استكفيت ، فإن قيل : قد يكون زيادة المال معلقة على السعي فيقيده ذلك المكتوب المعلق قلنا : المكتوب قسمان : قسم مكتوب من غير شرط أو تعليق بفعل العبد وهو الأرزاق والآجال وقسم معلّق بفعل العبد وهو الثواب والعقاب ، وثانيهما : أن لا يثق بوعد اللّه ، وقد قال اللّه ( تعالى ) :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
« 1 » ، وقال ( جلّ ذكره ) :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
« 2 » ولو أنّ ملكا من ملوك الدنيا وعدك بالجائزة وأنت حسن
هامش
( 1 ) - الذاريات : 22 و 23 .
( 2 ) - هود : 6 .