الفصل العاشر ممّا ورد من النهي عن الغيبة والحسد
فنقول : الغيبة بكسر الغين وسكون الياء المثناة وفتح الباء الموحدة اسم كقولك :
اغتاب فلان فلانا ، إذا وقع فيه في غيبته ، والمصدر الإغتياب يقال : اغتابه اغتيابا ، والاسم الغيبة ، هذا بحسب المعنى اللغوي . وأمّا في الاصطلاح فلها تعريفان أحدهما مشهور وهو ذكر الإنسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه ممّا يعدّ نقصانا في العرف بقصد الانتقاص والذمّ واحترزنا بالقيد الأخير ، وهو قصد الانتقاص عن ذكر العيب للطبيب مثلا أو لاستدعاء الرحمة من السلطان في حقّ الزمن ، والأعمى يذكر نقصانهما ، أو الزوجة إذا ذكرت زوجها لحاكم الشرع بأن تقول : زوجي بخيل لا ينفق عليّ وعلى ولدي . وستأتي الأعذار المرخصة للغيبة ، وهو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصّل إليه إلّا به فيدفع ذلك إثم الغيبة ، وقد حصروها في عشرة - وستأتي إن شاء اللّه ( تعالى ) - .
الثاني : التنبّه على ما يكره نسبته إليه ، وهو أعمّ من الأوّل لشمول مورده للسان والإشارة والحكاية وغيرها ، وقد جاء في الأحاديث المشهورة قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « هل تدرون ما الغيبة ؟ » فقالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : « ذكرك أخاك بما يكره له » ، قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال : « إن كان فيه ما تقوله فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته » .
وذكر عنده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رجل فقالوا : ما أعجزه ؟ فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اغتبتم صاحبكم » . فقالوا :
يا رسول اللّه ، قلنا ما فيه . قال : « إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه » .
وتحريم الغيبة في الجملة إجماعي بل هو كغيره موبقة للتصريح بالتوعد عليها بالخصوص في الكتاب والسنة ، وقد نصّ اللّه ( تعالى ) على ذمّها في كتابه وشبه صاحبها بأكل لحم أخيه ميتا ، فقال ( عزّ من قائل ) :
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
« 1 » .
وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه » ، والغيبة
هامش
( 1 ) - الحجرات : 12 .