وتواضع في الأبدان وكف الأذى واحتمالها بلا إباء ، وأما اللواتي في الباطن ، فحب سيده ، وخوف الفراق من سيده ، ورجاء الوصول إلى سيده والندم على فعله والحياء من ربّه .
اعلم أن المشورة هي استنباط المرء الرأي فيما يعرض له في مشكلات الأمور وذلك في الأمور الجزئية التي يتردد المرء فيما بين فعلها وتركها .
اعلم أن من الحزم لكل ذي لب أن لا يبرم أمرا ولا يمضي عزما إلّا بمشورة ذي الرأي الناصح ومتابعة ذي العقل الراجح ، فإن اللّه ( تعالى ) أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالمشورة مع ما تكفل به من الرشاد ووعده به من تأييده وقال ( عزّ وجل ) :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
« 1 » قال قتادة : أمره بمشورتهم لما علم فيها من الفضل . وقال الحسن البصري : أمره بمشورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن كان عن مشورتهم غنيّا .
وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « المشاورة حصن من الندامة وأمان من الملامة » .
وقال علي عليه السّلام : نعم المؤازرة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد .
وقيل : المشاور في رأيه ناظر من ورائه .
وقال بعض الأدباء : ما حار من استخار ولا ندم من استشار .
وقال بعض البلغاء : من حق العاقل أن يضعف إلى رأيه رأي العقلاء ، أو يجمع إلى عقله عقول الحكماء ، فالرأي الفرد ربّما زلّ والعقل الفرد ربماّ ضلّ ، وإذا عزم الرجل على المشاورة ينبغي أن يستشار لها من أهلها من قد استكملت فيه خمس خصال :
الأول : عقل كامل مع تجربة سالفة ، وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوا فتندموا » . وقيل لرجل من عبس : ما أكثر صوابكم ؟ قال :
نحن ألف رجل وفينا حازم ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم . وقال بعض البلغاء : من استعان بذوي العقول فإنه يدرك المأمول .
الثاني : أن يكون ذا دين وتقى ، فإن ذلك عماد كل صلاح وباب كل نجاح ، ومن غلب عليه الدين فهو مأمون السريرة موافق العزيمة .
الثالث : أن يكون ناصحا ودودا فإن النصح والمودة يصدقان الفكر ويمحضان الرأي .
وقد قال بعض الحكماء : لا تشاور إلّا حازما غير الحسود ، واللبيب غير الحقود ،
هامش
( 1 ) - آل عمران : 159 .