كانت له عند الناس ثلاث وجبت له عليهم ثلاث ، من إذا حدثهم صدقهم ، وإذا ائتمنوه لم يخنهم ، وإذا وعدهم وفى لهم ، وجب له عليهم أن تحبه قلوبهم وتنطق بالثناء عليه ألسنتهم وتظهر له معونتهم .
وقال سعيد : كل الخصال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب ، قيل للقمان الحكيم :
ألست عبد بني فلان ؟ قال : بلى ، قيل : فما بلغ بك ما أرى ؟ قال : تقوى اللّه عز وجل ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وترك ما لا يعنيني ، ثم قال :
ألا رب من تغتشه لك ناصح * ومؤتمن بالغيب غير أمين
وقال نافع مولى ابن عمر : طاف ابن عمر سبعا وصلى ركعتين فقال له رجل من قريش :
ما أسرع ما طفت وصليت يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال ابن عمر : أنتم أكثر منا طوافا وصياما ، ونحن خير منكم بصدق الحديث ، وأداء والأمانة وإنجاز الوعد ، أنشد محمود الوراق :
أصدق حديثك إنّ في الص * دق الخلاص من الدّنس
ودع الكذوب لشأنه * خير من الكذب الخرس
وقال آخر :
ما أقبح الكذب المذموم صاحبه * وأحسن الصدق عند اللّه والناس
وقال منصور الفقيه :
الصدق أولى ما به * دان امرؤ فاجعله دينا
ودع النفاق فما رأيت * منافقا إلا مهينا
وقال الحسن البصري : لا تستقيم أمانة رجل حتى يستقيم لسانه ، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه . وقال الفريابي : كنت عند الأوزاعي إذا جاءه رجل فقال : يا أبا عمرو ، هذا كتاب صديقك وهو يقرأ عليك السّلام فقال : متى قدمت ؟ قال : أمس ، قال : ضيعت أمانتك لا أكثر اللّه في المسلمين أمثالك . قال الشاعر :
إذا أنت حملت الأمانة خائنا * فإنك قد أسندتها شرّ مسند
وقال بعض الحكماء : من عرف بالصدق جاز كذبه ، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه ، قالوا : والصدق عز والكذب خضوع . وقال كعب ابن زهير :
ومن دعا الناس إلى ذمّه * ذمّوه بالحق وبالباطل
مقالة السوق إلى أهلها * أسرع من منحدر سائل
وقال لقمان لابنه : يا بني احذر الكذب فإنه شهي كلحم العصفور من أكل منه شيئا لم