إلى قوله تعالى :
مِصْباحٌ
[ النور : 35 ] ، يعني : مصباح نور نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد جعله مصباح مشكاة الوجود ، فشبه الكون بالمشكاة ، وسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالزجاجة ، والنور الذي هو قبله بالمصباح ، فأشرق نور باطنه على ظاهره ، كإشراق المصباح في الزجاجة ، فصار نور المصباح نارا ، والزجاجة نورا لصفائها ، فصار نورا وكان حظ كل مخلوق من ذلك بحسب قربه منه واتباعه له ، والدخول في شيعته ، والعمل بشريعته ، وهو معنى قوله تعالى :
نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ
[ الزخرف : 11 ] ، فشبه اللّه تعالى حبيبه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالماء النازل من السماء بقدر ؛ لأن الماء حياة كل شيء ، وكذلك كان نوره صلّى اللّه عليه وسلّم حياة كل قلب ، ووجوده رحمة لكل شيء .
ثم بين انتفاع الناس بنوره ، وما نالهم من بركته صلّى اللّه عليه وسلّم بالأدوية فجعل القلوب أودية ، منها : الكبير ، والصغير ، والجليل ، والحقير .
فاحتمل كل قلب على قدر وسعه ومقدار مادته من الماء ، وتطرق السيل إليه
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
[ البقرة : 60 ] ، ثم شبه جسمانيته بالزبد الرابي ، المحتمل على وجه الماء الصافي ، وهو مرباه الظاهر ، من : الأكل والشرب والنكاح ، ومشاركة الناس في أفعالهم وأحوالهم ، فذلك كله يذهب ويتلاشى
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ
[ الرعد : 17 ] ، من نبوته ، ورسالته ، وحكمته ، وعلمه ، ومعرفته ، وشفاعته
فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
[ الرعد : 17 ] .
واعلم أنه إنما كانت حكمة خلقه كذلك ، أنه خلق من لطيف وكثيف ، ليكون كامل الخلق ، كامل الوصف ، خلقه اللّه تعالى من ضدين : جسماني وروحاني ، فجعل جسمانيته وبشريته لملاقاة البشر ، ومقايسات الصور ، فجعل له قوة يلاقي بها البشر ، فيعدهم بمادة بشريته ، فيكون معهم بهم ، فيكون بهم لهم
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ فصلت : 6 ] ، يجانسهم ويشاكلهم ، لأنه لو برز إليهم في هيئة روحانية ملكية نورانية ، لما أطاقوا مقابلته ، وما استطاعوا مقاومته ، فلذلك من اللّه تعالى بقوله :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ التوبة : 128 ] .
ثم جعل له قوة وروحانية يقابل بها عالم الروحانيين ، وملكوت العلوين ، ليكون تام البركة ، تام الرحمة .