ضرب من الإحسان ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : " في بضع أحدكم صدقة " " 1 " ، وأي إحسان أتم من الإعفاف ، والتسبب إلى حفظ الفروج وإلى غض الأبصار ، وولادة من يوحد اللّه ويعبده ويشكره ، ويحمده ويتباهى به الأنبياء " 2 " .
فهذه أنواع من جملة الإحسان المذكور في كتب الفقه ، ذكرتها ليستدل بها على ما ورائها من ضروب الإحسان خفيه وظاهره ، ودقه وجله .
ومن لاحظ أن الإحسان عبارة عن جلب المنافع ودفع المضار وفق دقه وجله ، جعلنا اللّه من أهل الإحسان في الدنيا والآخرة .
وأفضل الإحسان ما كان نفعا في الأديان ، وأفضله ما يرجع إلى تعريف العقائد وتفهيم المعارف ، ثم ما يتعلق بأحكام الشرع مما أوجبه وندبه إليه ، وكرهه وحرمه ، وأباحه وأطلقه .
فصل في الإحسان العام
وذلك بالعدل وغيره مما دق وجل ، وكثر وقل ، فلو طلبت قتل النملة والنحلة لوجدته في قوله :
وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 8 ] ، وفي قوله :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
[ البقرة : 205 ] ، فإن الفساد إخراج الشيء عما ينبغي أن يكون عليه ، ولو طلبت سقي الكلب لوجدته في قوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ] ، ولو طلبت قتل الحية والعقرب لوجدته في قوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ] ، فإن قتلهما إحسان إلى الناس بما يندفع به من شرهما مقدم على فساد بنيتهما لرجحانه عليه ، فإن المصالح [ إن رجحت ألغت المفاسد ] " 3 " وإن رجحت المفاسد ألغت المصالح ، ولذلك قال اللّه تعالى في الخمر والميسر :
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
[ البقرة : 219 ] ، فلذلك حرّما ،
إِنَّ اللَّهَ
هامش
( 1 ) ما بين [ ] حرّف في المخطوط إلى ( بعض ) وهو خطأ ظاهر لما في نص الحديث صراحة .
( 2 ) رواه مسلم ( 1006 ) عن أبي ذر مرفوعا .
( 3 ) ما بين [ ] سقط من المخطوط ، وصوّب من توافق السياق .