وهو كلام التّأكيد والتّأبيد ، فمن قولهم : لا اكلّمك ما كرّ الجديدان واختلف العصران ما دامت السّماوات والأرض . وأمّا الاستثناء فهو حكم وتحقيق ، وقيل :
الاستثناء واقع على كون الأشقياء في الرّاحة قبل الوقوع في تعب الأبد .
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ .
وهو واقع على كونهم في المحنة والتّعب قبل الوصول إلى الرّاحة الدّائمة واللذّة الصّافية والنّعمة الكاملة وسرور الأبد ، ثمّ أوضح البيان وأزال الشّبهة بقوله :
عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
« 1 » يعني غير مقطوع ، والجذّ : القطع عند أهل اللسان .
والسّعادة على وجهين : سعادة في الدّنيا وسعادة في الآخرة ؛ أمّا في الدّنيا فصحّة الجسم والثّناء الحسن وكثرة الجدة والرّأي الأصيل والمشورة المصيبة وكمال الطّاعة والنّظر في العواقب ، وأمّا في الآخرة فالنّجاة من العقاب والوصول إلى الثّواب والرّفعة في الدّرجات . والشّقاوة على ضدّ ما ذكرنا .
وروى الصّادق عن أبيه ، عن أمير المؤمنين عليهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : أربع خصال من الشّقاء : جمود العين وقساوة القلب وبعد الأمل وحبّ الدّنيا « 2 » .
وبغير هذا الإسناد فيما روي عنه عليه السّلام قال : أربعة بالمرء سعادة : أن تكون له زوجة موافقة ، وإخوانه صالحين ، وأولاده أبرارا ، وأن يكون رزقه في بلده « 3 » .
دلّ الخبران على أنّ السّعادة هي الأفعال السنيّة من أداء المأمور به واجتناب المنهيّ عنه ، وغايتها راحة الدارين .
وفيما يؤثر عن ابن عبّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : الشّقيّ من شقي في بطن أمّه ، والسّعيد من سعد في بطن أمّه ، وكلّ ميسّر لما خلق له وقد جرى القلم وفرغ ممّا هو كائن إلى
هامش
( 1 ) . هود : 107 .
( 2 ) . تحف العقول : 12 .
( 3 ) . راجع نوادر الرّاوندي : 110 والجامع الصّغير : 1 / 141 وكنز العمّال : 11 / 93 وتاريخ دمشق : 54 / 178 وفي كلّهم : أربع من سعادة المرء .