وكان بدر معروفا بالشجاعة والنجدة والعقل والبيان ، فأدخل على الحجاج فخاطبه فأعجب به وغلب على قلبه وأحسن رفده وأخرجه فيمن أخرج إلى قتال ابن الأشعث ، فعمل في الحرب عملا عجب منه فيه ، وأكثر القتل في أصحاب ابن الأشعث ، وعظمت الجراح به ، فقال وهو بآخر رمق : احملوني إلى الكوفة فادفنوني بها . ففعل ذلك به ، فاتصل خبره بنعم فأتت قبره وأنشأت تقول :
يا من لعين بالدموع سكوب * تبكي قتيلا ثاويا بقليب
يا بدر قد أشجيتني وتركتني * في كربة تعتادني ونحيب
بأبي وأمي من كريم سيد * جزل العطايا للألوف وهوب
لهفي عليك إذا الحروب تسعّرت * وتضرّمت وتلهّبت بلهيب
فلأبكينّك ما بقيت بلوعة * وأشقّ من جزع عليك جيوبي
أبكيك يا بدرا بعين سحّة * وغليل قلب موجع مكروب
لا خير لي يا بدر بعدك في البقا * ما خير عيش بعد هلك حبيب
ولم تزل مقيمة على قبره تقلّب عليه وتبكي حتى ماتت ، فدفنت هناك إلى جانبه .
وقال أبو بكر محمد بن داود الأصبهاني : بلغني أن فتى من الأعراب يقال له امرؤ القيس هوي فتاة من الحي ، فلما وقفت على أنه يحبها هجرته ، فزال عقله وخولط وأشفى على التلف ، وصار رحمة للناس ، فلما بلغ المرأة حاله وما هو فيه أتت فأخذت بعضادتي الباب فقالت : كيف تجدك يا امرأ القيس ؟ فقال :
دنت وظلال الموت بيني وبينها * وأدلت بوصل حين لا ينفع الوصل
ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى مات .
وقال الريان بن علي الأديب : عشق فتى من أبناء بعض أصدقائي جارية فأنحله العشق وتيّمه فزال عقله ، وأخذ في الهجر والهذيان ، فمررت به ذات يوم في