سوف أبكيك ما حييت بشجو * ومراث أقولها وبندبة
قال : فلما قالت ذلك طابت نفسه وفي النفس ما فيها ، فقال :
أنا واللّه واثق منك لكن * ربما خفت منك غدر النساء
بعد موت الأزواج يا خير من عو * شر فارعي حقي بحسن الوفاء
إنني قد رجوت أن تحفظي العه * د فكوني إن متّ عند الرجاء
ثم اعتقل لسانه فلم ينطق حتى مات . فلم تلبث إلا قليلا حتى خطبت من كل جانب ورغبت فيها الأزواج لاجتماع الخصال الفاضلة فيها من العقل والجمال والعفاف والحسب ، فقالت مجيبة لهم :
سأحفظ غسّانا على بعد داره * وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر
وإني لفي شغل عن الناس كلّهم * فكفّوا فما مثلي بمن مات يغدر
سأبكي عليه ما حييت بعبرة * تجول على الخدين مني فتكثر
فيئس الناس منها حينا ، فلما مرت بها الأيام نسيت عهده ، وقالت من مات فقد فات ، فأجابت بعض خطابها فتزوجها ، فلما كانت الليلة التي أراد الدخول بها جاءها غسان في النوم وقد أغفت فقال :
غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة * ولم تعرفي حقّا ولم تحفظي عهدا
ولم تصبري حولا حفاظا لصاحب * حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا
غدرت به لما ثوى في ضريحه * كذلك ينسى كلّ من سكن اللحدا
فلما قال هذه الأبيات انتبهت مرتاعة مستحيية منه ، كأنه بات معها في جانب البيت ، وأنكر ذلك منها من حضرها من نسائها ، فقلن : مالك وما حالك وما دهاك ؟ فقالت : ما ترك غسان بعده في الحياة أربا ، ولا بعده في الحياة سرور ورغبة ، أتاني في منامي الساعة فأنشدني هذه الأبيات . وأنشدتها وهي تبكي بدمع غزير وانتحاب شديد .