أو ليس قوم موسى يعبدون بقرة ، ويتوقفون في ذبح بقرة ، ويعبرون البحر ، ثم يقولون : اجعل لنا إلها .
وقوم عيسى يدخرون من المائدة وقد نهوا .
والمعتدون في السبت يعصون اللّه لأجل الحيتان .
وأمتنا بحمد اللّه تعالى سليمة من هذه الأشياء ، وإنما في بعضها ميل إلى الشهوات المنهي عنها . وذلك في الفروع لا في الأصول . فإذا ذكروا بكوا وندموا على تفريطهم .
فنحمد اللّه على هذا الدين وعلى أننا من أمة هذا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . وقد كان جماعة من المتصنعين بالزهد مالوا إلى طلب الدنيا والرئاسة . فاستغواهم الهوى فخرقوا « 1 » باظهار ما يشبه الكرامات كالحلاج وابن الشاش وغيرهما ممن ذكرت حال تلبيسه في كتاب تلبيس إبليس . وإنما فعلوا ذلك لاختلاف أغراضهم . ولم يزل اللّه ينشئ في هذا الدين من الفقهاء من يظهر ما ستره المتعلمون ، كما ينشئ من علماء الحديث من يهتك ما أخفاه الواضعون ، حفظا لهذا الدين ، ودفعا للشبهات عنه . فلا يزال الفقيه والمحدث يظهران عوار كل ملبس بوضع حديث أو باظهار دعوى تزهد وتنميس ، فلا يؤثر ما ادعياه الا عند جاهل بعيد من العلم والعمل
« لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
و
لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » . *
309 - عمرك قصير فاغتنم ساعاته
واعجبا من موجود لا يفهم معنى الوجود ، فان فهم لم يعمل بمقتضى فهمه ، يعلم أن العمر قصير ، وهو يضيعه بالنوم والبطالة والحديث الفارغ وطلب اللذات .
وإنما أيامه أيام عمل لا زمان فراغ . وقد كلف بذل المال بمخالفة الطبع من الشرع فبخل به إلى أن تضايق الخناق فيقول حينئذ : فرقوا عني بعد موتي وافعلوا كذا ، فأين يقع هذا لو فعل ، وبعيد أن يفعل ، وإنما يراد بانفاقك في صحتك مخالفة للطبع في تكلف مشاق الاخراج في زمن السلامة ، فافرق بين الحالتين إن كان لك فهم .
فالسعيد من انتبه بنفسه وعمل بمقتضى عقله ، واغتنم زمنا نهايته الزمن « 2 » وانتهب عمرا يا قرب انقطاعه .
هامش
( 1 ) المخرقة التدجيل والشعوذة .
( 2 ) كذا .