بفقد الولد ، ويوسف بمجاهدة الهوى ، وأيوب بالبلاء وداود وسليمان بالفتنة .
وجميع الأنبياء على هذا . وما لقي نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم من الجوع والأذى وكدر العيش فمعلوم .
فالدنيا وضعت للبلاء فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر ، وأن يعلم أن ما حصل من المراد فلطف ، وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبلة للدنيا كما قيل :
طبعت على كدر وأنت تريدها * صفوا من الاقذاء والأكدار « 1 »
ومكلف الأيام ضد طباعها * متطلب في الماء جذوة نار
وهاهنا يتبين قوة الايمان وضعفه . فليستعمل المؤمن من أدوية هذا المرض التسليم للمالك ، والتحكيم لحكمته ، وليقل ، قد قيل لسيد الكل
« لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ »
ثم ليسلّ نفسه بأن المنع ليس عن بخل ، وانما هو لمصلحة لا يعلمها ، وليؤجر الصابر عن أغراضه ، وليعلم اللّه الذين سلّموا ورضوا ، وان زمن الابتلاء مقدار يسير ، والاغراض مدخرة تلقى بعد قليل ، وكأنه بالظلمة قد انجلت ، وبفجر الأجر قد طلع .
ومتى ارتقى فهمه إلى أن ما جرى مراد الحق سبحانه ، اقتضى ايمانه أن يريد ما يريد ، ويرضى بما يقدر ، إذ لو لم يكن كذلك كان خارجا عن حقيقة العبودية في المعنى .
وهذا أصل ينبغي أن يتأمل ويعمل عليه في كل غرض انعكس .
293 - مخالطة العلماء للسلاطين وضررها
رأيت خلقا من العلماء والقصّاص تضيق عليهم الدنيا فيفزعون إلى مخالطة السلاطين لينالوا من أموالهم ، وهم يعلمون أن السلاطين لا يكادون يأخذون الدنيا من وجهها ، ولا يخرجونها في حقها . فان أكثرهم إذا حصل له خراج ينبغي أن يصرف إلى المصالح وهبه لشاعر ، وربما كان معه جندي يصلح أن تكون مشاهرته عشرة دنانير فأعطاه عشرة آلاف ، وربما غزا فأخذ ما ينبغي أن يقسم على الجيش فاصطفاه لنفسه ، هذا غير ما يجري من الظلم في المعاملات .
هامش
( 1 ) للتهامي وأول القصيدة :حكم المنية في البرية جاري * ما هذه الدنيا بدار قراروهي من أجود مراثي العرب .