سبع وتسعين وخمسمائة - تحت تربة أم الخليفة المجاورة لمعروف الكرخي ، وكنت حاضرا ، فأنشد أبياتا قطع عليها المجلس وهي هذه :
اللّه أسأل أن يطوّل مدتي * وأنال بالأنعام ما في نيّتي
لي همة في العلم ما من مثلها * وهي التي جنت النحول هي التي
كم كان لي من مجلس لو شبّهت * حالاته لتشبهت بالجنة
أشتاقه لما مضت أيامه * عللا وتعذر ناقة إن حنّت
يا هل لليلات بجمع « 1 » عودة ؟ * أم هل إلى وادي منى من نظرة
قد كان أحلى من تصاريف الصبا * ومن الحمام مغنيا في الأيكة
فيه البديهات التي ما نالها * خلق بغير مخمر ومبيّت
برجاحة وفصاحة وملاحة * تقضي لها عدنان بالعربية
وبلاغة وبراعة ويراعة * ظن النباتي أنها لم تنبت
وإشارة تبكي الجنيد وصحبه * في رقة ما نالها ذو الرمة
قال أبو المظفر : ثم نزل عن المنبر ، فمرض خمسة أيام ، وتوفي .
وكانت وفاته ليلة الجمعة ( 12 رمضان 597 ) بين العشاءين ، وعمره نحو التسعين ، وغسل وقت السحر ، واجتمع أهل بغداد ، وغلّقت الأسواق وحملت جنازته على رؤوس الناس ، وكان الجمع كثيرا جدا ، وكان الشهر تموز « 2 » فأفطر بعض من حضر لشدة الحر وكثرة الزحام ، وما وصل إلى حفرته الّا وقت صلاة الجمعة ، والمؤذن يقول : اللّه أكبر . ودفن بباب حرب ، بالقرب من مدفن أحمد بن حنبل ، وأوصى بأن يكتب على قبره هذه الأبيات :
يا كثير العفو عمّن * كثر الذنب لديه
جاءك المذنب يرجو * . . . الصفح عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء * . . . الضيف إحسان اليه
وحزن الناس عليه حزنا شديدا ، وبكوا عليه بكاء كثيرا ؛ وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات بالقناديل والشموع والجماعات « 3 » .
هامش
( 1 ) ( جمع ) هي مزدلفة وتسمى ( المشعر الحرام ) .
( 2 ) الشذرات وغيرها
( 3 ) وهذا كله من البدع المكروهة في الاسلام .