قال سبط ابن الجوزي : ومن العجائب أنا كنا جلوسا عند قبره بعد انفضاض العزاء وإذا بخالي محيي الدين يوسف قد صعد من الشطّ وخلفه تابوت ؛ فعجبنا وقلنا : ترى من مات في الدار ؟ وإذا بها والدة محيي الدين ؛ وعهدي بها في ليلة الجمعة التي مات فيها جدّي في عافية تامة قائمة ليس بها مرض ؛ فكان بين موتها وموته يوم وليلة . وعدّ الناس ذلك من كراماته لأنه كان محبا لها لا يصبر على البعد عنها .
- 29 -
وكان له من الأولاد ثلاثة ذكور ؛ وثلاث إناث :
أكبر أولاده عبد العزيز ؛ وقد مات شابا في حياة أبيه سنة ( 554 ) والثاني أبو القاسم علي ؛ الذي ألف له « لفتة الكبد في نصيحة الولد « 1 » » ورجا أن ينبغ في العلم ؛ وأن يخلفه ؛ فما أراد اللّه ذلك ، وقد كان عاقا له ، وكان مع خصومه أيام المحنة ؛ وتسلط على كتبه فباعها بأبخس الأثمان .
والثالث محيي الدين يوسف ، وكان أصغر أولاده ؛ ولد سنة ( 580 ) قرأ القرآن بالقراءات العشر على ابن الباقلاني ، وسمع الحديث من أبيه ، وكان كثير المحفوظ قوي المشاركة في العلوم ، اشتغل بالفقه والخلاف والأصول فبرع في ذلك ؛ وزاد في الشهرة على أبيه ، ووعظ من صغره على طريقة أبيه ؛ وعلا أمره ، وعظم شأنه ، وولي الولايات الجليلة ؛ ثم عزل عن جميع ذلك فانقطع في داره يفتي ويدرّس ، ثم أعيد إلى الحسبة ، وكان سفير الخليفة إلى ملوك الأطراف ؛ ثم صار أستاذ دار الخليفة المستعصم « 2 » وقتل معه .
وهو الذي بنى المدرسة الجوزية في دمشق « 3 » ؛ وإلى هذه المدرسة ينسب ابن قيّم الجوزية العالم المعروف ؛ لأن أباه كان قيّما عليها ؛ وبغض الناس يخلطون بينه وبين ابن الجوزي ؛ حتى طبع في مصر سنة ( 1319 ) كتاب أخبار النساء لابن
هامش
( 1 ) رسالة صغيرة أعاد نشرها الصديقان الأستاذ الشيخ ناصر الألباني والأستاذ محمود مهدي .
( 2 ) أي وزير البلاط
( 3 ) وهي على يمين الداخل إلى بيت العظم في البذورية ، وكان فيها على أيامنا مدرسة الاسعاف الخيري ، ثم جددت وصار أسفلها دكاكين .