للحفظ ، ولا ينظر ولا يكتب إلا وقت التعب من الحفظ . وليحذر صحبة السلطان ، ولينظر في منهاج الرسول صلّى اللّه عليه وسلم والصحابة والتابعين ، وليجتهد في رياضة نفسه والعمل بعلمه ، ومن تولاه الحق وفقه .
227 - الأصنام والحجارة
طال تعجبي من أقوام لهم أنفة وعندهم كبر زائد في الحد ، خصوصا العرب الذين من كلمة ينفرون ويحاربون ويرضون بالقتل حتى أن قوما منهم أدركوا الاسلام فقالوا : كيف نركع ونسجد فتعلونا أستاهنا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود .
ومع هذه الأنفة يذلون لمن هم خير منه . هذا يعبد حجرا ، وهذا يعبد خشبة ، وقد كان قوم يعبدون الخيل والبقر ، وان هؤلاء لأخس من إبليس ، فإن إبليس أنف لادعائه الكمال أن يسجد لناقص فقال :
« أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ » *
وفرعون أنف أن يعبد شيئا أصلا . فالعجب من ذل هؤلاء المفتخرين المتعاظمين المتكبرين لحجر أو خشبة ، وإنما ينبغي أن يذل الناقص للكاملين . وقد أشير إلى هذا في ذم الأصنام في قوله تعالى
« أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ، أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها ، أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها »
والمعنى أنتم لكم هذه الآلات المدركة وهم ليس لهم ، فكيف يعبد الكامل الناقص ، غير أن هوى القوم في متابعة الأسلاف واستحلاء ما اخترعوه بآرائهم غطى على العقول ، فلم تتأمل حقائق الأمور . ثم غطى الحسد على أقوام فتركوا الحق وقد عرفوه . فأمية بن أبي الصلت ، يقرّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويقصده ليؤمن به ، ثم يعود فيقول : لا أؤمن برسول ليس من ثقيف .
وأبو جهل يقول : واللّه ما كذب محمد قط ، ولكن إذا كانت السدانة والحجابة في بني هاشم ثم النبوة فما بقي لنا ؟
وأبو طالب يرى المعجزات ويقول : إني لأعلم أنك على الحق ، ولولا أن تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك .
فنعوذ باللّه من ظلمة حسد ، وغيابة كبر ، وحماقة هوى يغطي على نور العقل ، ونسأله إلهام الرشد ، والعمل بمقتضى الحق .
صيد الخواطر م - 18