فضة آنيتهما وما فيهما . والفردوس الأعلى لآخرين . والذين في أرض الجنة ينظرون أهل الدرجات ، كما يرون الكوكب الدري .
فليتذكر الساعي حلاوة التسليم إلى الأمين ، وليتذكر في لذاذة المدح يوم السباق . وليحذر المسابق من تقصير لا يمكن استدراكه . وليخف من عيب يبقى قبح ذكره . هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن ، وليصبّر الهوى عن المشتهى ، فالأيام قلائل . يدخل فقراء المؤمنين قبل الأغنياء إلى الجنة بخمسمائة عام . فالجد الجد ، يا أقدام المبادرة ، فقد لاح العلم خصوصا لمن بانت له بانة الوادي ، إما بالعلم الدال على الطريق ، وإما بالشيب الذي هو علم الرحيل وهو ما يأمله أهل الجد . وكان الجنيد يقرأ وقت خروج روحه ، فيقال له في هذا الوقت : فيقول أبادر طيّ صحيفتي . وبعد هذا ، فالمراد موفق . والمطلوب معان . وإذا أرادك لأمر هيأك له .
224 - تفاوت الهمم
تأملت حالة عجيبة وهو أن أهل الجنة الساكنين في أرضها في نقص عظيم بالإضافة إلى من فوقهم ، وهم يعلمون فضل أولئك . فلو تفكروا فيما فاتهم من ذلك وقعت الحسرات ، غير أن ذلك لا يكون ، لأن ذلك لا يقع لهم لطيب منازلهم ، ولا يقع في الجنة غم ، ويرضى كل بما أعطي من وجهين :
أحدهما أنه لا يظن أن يكون نعيم فوق ما هو فيه ، وان علت منزلة غيره .
والثاني أنه يحبب اليه كما يحبب اليه ولده المستوحش الخلقة ، فيؤثره على الأجنبي المستحسن .
إلا أن تحت هذا معنى لطيفا . وهو أن القوم خلقت لهم همم قاصرة في الدنيا عن طلب الفضائل ، ويتفاوت قصورها . فمنهم من يحفظ بعض القرآن ولا يتوق إلى التمام . ومنهم من يسمع يسيرا من الحديث . ومنهم من يعرف قليلا من الفقه .
ومنهم من قد رضي من كل شيء بيسيره . ومنهم مقتصر على الفرائض . ومنهم قنوع بصلاة ركعتين في الليل ولو علت بهم الهمم لجدّت في تحصيل كل الفضائل .
ونبت عن النقص فاستخدمت البدن كما قال الشاعر :
ولكل جسم في النحول بلية * وبلاء جسمي من تفاوت همتي