230 - الصبر والتسليم
سبب تنغيص العيش فوات الحظوظ العاجلة : وليس في الدنيا طيب عيش على الدوام إلا للعارف الذي شغله رضى حبيبه والتزود للرحيل اليه . فإنه إن وجد راحة في الدنيا استعان بها على طلب الآخرة . وان وجد شدة اغتنم الصبر عليها لثواب الآخرة . فهو راض بكل ما يجري عليه . يرى ذلك من قضاء الخالق ، ويعلم أنه مراده ، كما قال قائلهم :
إن كان رضاكم في سهري * فسلام اللّه على وسني
فأما من طلب حظه فإنه يقلق لفوت مراده ، ويتنغص لبعد ما يشتهي ، فلو افتقر تغير قلبه ، ولو ذل تغير . وهذا لأنه قائم مع غرضه وهواه . وما أحسن قول الحصري : أيش عليّ مني وأيش لي في ؟
وهذا كلام عارف . لأنه إن كان ينظر إلى حقيقة الملكية فعبد يتصرف فيه مولاه ، فاعتراضه لا وجه له ، وارادته أن يقع غير ما يجب فضول في البين . وان نظر أن النفس كالملك له فقد خرجت عن يده من يوم
« إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى »
أفيحسن لمن باع شاة أن يغضب على المشتري إذا ذبحها أو يتغير قلبه . واللّه لو قال المالك سبحانه : انما خلقتكم ليستدل على وجودي ، ثم أنا أفنيكم ولا إعادة . لكان يجب على النفوس العارفة به أن تقول سمعا لما قلت وطاعة ، وأي شيء لنا فينا حتى نتكلم . فكيف وقد وعد بالأجر الجزيل ، والخلود في النعيم ، الذي لا ينفد . لكن طريق الوصول تحتاج إلى صبر على المشقة وما يبقى لتعب رمل ( زرود ) « 1 » أثر إذا لاح الحرم . فالصبر الصبر يا أقدام المبتدئين لاح المنزل . والسرور السرور يا متوسطين ضربت الخيم . والفرح الكامل يا عارفين ، قد تلقيتم بالبشائر .
زالت واللّه أثقال المعاملات عنكم ، فكانت معرفتكم بالمبتلى حلاوة أعقبت شربة المجاهدة ، فلم يبق في الفم للمر أثر . تخايلوا قرب المناجاة ولذة الحضور .
ودوار كئوس الرضى عنكم فقد أخذت شمس الدنيا في الأفول :
ما بيننا إلّا تصرّ * م هذه السبع البواقي
حتى يطول حديثنا * بصنوف ما كنا نلاقي
هامش
( 1 ) زرود : بادية كثير رملها .