الواعظ كل شيء يراه ، لجهله بالتصحيح ، ففسدت أحوال الزاهد ، وانحرف عن جادة الهدى ، وهو لا يعلم . وكيف لا وعموم الأحاديث الدالة على الزهد لا تثبت ، مثل حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما : أيما امرئ مسلم اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر له : وهذا حديث موضوع ، يمنع الانسان ما أبيح له مما يتقوى به على الطاعة ومثل قوله : من وضع ثيابا حسانا . وكذلك ما رووا « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قدم له ادمان فقال : أدمان في قدح ، لا حاجة لي فيه ، أكره أن يسألني اللّه عن فضول الدنيا » . وفي الصحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أكل البطيخ بالرطب .
ومثل هذا إذا تتبع كثير ، فقد بنوا على فساده ، ففسدت أحوال الواعظ والموعوظ ، لأنه يبني كلامه على أشياء فاسدة ومحالات . ولقد كان جماعة من المتزهدين يعملون على أحاديث ومنقولات لا تصح ، فيضيع زمانهم في غير المشروع .
ثم ينكرون على العلماء استعمالهم للمباحات ، ويرون أن التجفف هو الدين .
وكذلك الوعاظ يحدثون الناس بما لا يصح عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ولا أصحابه . فقد صار المحال عندهم شريعة . فسبحان من حفظ هذه الشريعة بأخبار أخيار ينفون عنها تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين .
218 - مسند أحمد
كان قد سألني بعض أصحاب الحديث ، هل في مسند أحمد ما ليس بصحيح ؟
فقلت : نعم .
فعظم ذلك على جماعة ينسبون إلى المذهب ، فحملت أمرهم على أنهم عوام ، وأهملت فكر ذلك . وإذا بهم قد كتبوا فتاوى . فكتب فيها جماعة من أهل خراسان ، منهم أبو العلاء الهمداني يعظمون هذا القول ويردونه ويقبحون قول من قاله . فبقيت دهشا متعجبا ، وقلت في نفسي : وا عجبا صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضا ، وما ذاك الا أنهم سمعوا الحديث ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه ، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد ؛ وليس كذلك .
فان الإمام أحمد روى المشهور والجيد والردي ، ثم هو رد كثيرا مما روي ولم يقبل به ولم يجعله مذهبا له . أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ : مجهول !