باجتماع الظراف في بغداد ونظاف الناس ، وحسن الكلمات المسجعة ، والمعاني المودعة في الألفاظ الرائجة ، وقراءة القرآن بالأصوات المرجعة ، والنغمات المطربة ، وصيحات الواجدين « 1 » ودمعات الخاشعين ، وإنابة النادمين ، وذل التائبين ، ووعظ وهو ابن عشر سنين إلى أن مات ، ولم يشغله عن الاشتغال بالعلم شاغل ، ولا لعب ولا لها ، ولا سافر الّا إلى مكة ، ولقد كان فيه جمال لأهل بغداد خاصة وللمسلمين عامة » .
- 16 -
وأعانه على ذلك أنه كان - كما قال الموفق - لطيف الصوت ، حلو الشمائل ، رخيم النغمة ، موزون الحركات ، لذيذ المفاكهة .
« وقد حضر مجلس وعظه الخلفاء والوزراء والملوك والأمراء والعلماء والفقراء ، ومن سائر صنوف بني آدم ، وأقلّ ما كان يجتمع فيه عشرة آلاف ، وربما اجتمع فيه مائة ألف « 2 » وربما تكلم من خاطره على البديهة نظما ونثرا .
وكان يسمع وعظه مرة الخليفة المستضيء العبّاسي ، فالتفت إلى ناحيته وهو في الوعظ وقال : يا أمير المؤمنين ، إن تكلمت خفت منك ، وإن سكتّ خفت عليك ، وإن قول القائل لك : اتق اللّه ، خير من قوله لكم : انكم أهل بيت مغفور لكم ، وكان عمر بن الخطاب يقول : إذا بلغني عن عامل أنه ظلم فلم أغيّره فأنا ظالم ، وكان عمر يضرب بطنه عام الرمادة ويقول : قرقر أو لا تقرقر ، واللّه لا ذاق عمر سمنا ولا سمينا حتى يخصب الناس « 3 » .
فبكى المستضيء ، وتصدق بمال كثير ، وأطلق المحبوسين وكسا خلفا من الفقراء » .
- 17 -
قال ابن الجوزي في « لفتة الكبد » :
ولقد وضع اللّه لي من القبول في قلوب الخلق فوق الحد ، وأوقع كلامي
هامش
( 1 ) وهذا كله مخالف لطريقة السلف ، لم يعرفه خير القرون .
( 2 ) يعني تقديرا لا تحقيقا
( 3 ) انظر كتابنا ( أخبار عمر ) .