فأمر الملك لذوبان بمائة ألف درهم ، فلم يقبلها ، وقال : أيها الملك : إنّ ملكي لم يوجّهنى إليك لأنقصك مالك ، فلا تجعل ردّى لنعمتك تسخّطا « 1 » ، وسأقبل ما يفي « 2 » هذا المال ويزيد عليه ، قال المأمون : وما هو ؟ قال : كتاب يوجد بالعراق ، فيه مكارم الأخلاق وعلوم الآفاق ، من كتب عظيم الفرس ، فيه شفاء النّفس من صنوف الآداب ، بما ليس في كتاب عند عاقل لبيب ، ولا فطن أريب ، يوجد تحت إيوان بالمدائن « 3 » فيقاس بالذّرعان في وسط الإيوان ، لا زيادة ولا نقصان ، فاحفر المدر « 4 » ، واقلع الحجر ، فإذا وصلت إلى الساجة « 5 » فاقلعها تجد الحاجة ، ولا تلزم لغيرها فيلزمك عبء ضرّها ، فأرسل المأمون إلى إيوان كسرى ، فحفروا في وسطه ، فوجدوا صندوقا صغيرا من زجاج ، عليه قفل منه ، فحمل إلى المأمون ، فقال لذوبان : هذا بغيتك ؟ قال نعم أيها الملك . قال : خذها وانصرف . فتكلم بلسانه ونفخ في القفل فانفتح ، فأخرج منه خرقة ديباج ، فنشرها فسقط منها أوراق ، فعدّها مائة ورقة ، ولم يكن في الصندوق شيء غيرها ، فأخذ الأوراق وانصرف إلى منزله ، قال الفضل بن سهل : فجئته فسألته ؟ فقال : هذا كتاب ( جاويدان خرد ) « 6 » تأليف : ( كيجور ) - وزير ملك إيران شهر - فطلبت منه شيئا . فدفع إلىّ ورقات منه ، وترجمها لي الخضر بن علي ، ثم أخبرت المأمون ، فقال : احمل إلىّ الورقات ، فحملتها إليه . فقرأها ، فقال : والله هذا الكلام لا ما نحن فيه ، من ليّ ألسنتنا في فجوات أشداقنا ، ولولا أن العهد حبل طرفه بيد الله وطرفه بأيدينا لأخذته .
* * *
هامش
( 1 ) تسخّطا : كراهية وعدم رضا .
( 2 ) ما يفي : ما يساوي .
( 3 ) أي إيوان كسرى الموجود في المدائن بجانب بغداد .
( 4 ) المدر : الطين .
( 5 ) الساجة : الخشبة الواحدة المربعة ، وفي ( خ ) الساحة .
( 6 ) كتاب ( جاويدان خرد ) فارسي ، سبق أن أخذ منه المؤلف الكثير من الحكم .