يجرى القصاص بينها . قال : ويحتمل أنّها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا ، فلهذا أجري فيه القصاص .
وكلام الأستاذ له وجه في الصحة ، لأن البهيمة تعرف النّفع والضّرّ ، فتنفر من العصا وتقبل إلى العلف ، وينزجر الكلب إذا زجر ، ويستأسد إذا أشلي « 1 » ، والطير والوحش يفرّ من الجوارح استدفاعا لشرّها ، ثم إن لم يجر عليها القتل في الدّنيا فإنما رفع القتل عنها في الأحكام .
فإن قيل : القصاص انتقام ، وهو جزاء على جناية وقعت من مخالفة الأمر ، والبهائم ليست بمكلفة ، ولا لها عقول ، ولا جاءها رسول ، والعقول عندكم لا يجب بها شيء على العقلاء ، فضلا عن البهائم ، وفي هذا انفصال عن قول الأستاذ « 2 » إنها كانت تعقل هذا القدر ، إذ لا يجب بالعقل شيء ، ويشهد له قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] .
فالجواب : أنّها ليست مكلفة ، لأن من ضرورة التكليف : أن يعلم الرسول والمرسل ، وذلك من خصائص العقلاء ، وهم : الثقلان « 3 » .
وإذا لم تكن مكلّفة : كانت في المشيئة ، يفعل الله بها ما أراد ، كما سلط عليها في الدنيا : الاستخمار « 4 » والذبح فلا اعتراض عليه ، ولله تعالى أن يفعل في ملكه ما أراد من تنعيم وتعذيب ، وإذا جاز أن يؤلم البهيمة ابتداء ، جاز أن يؤلمها بعد حياتها .
والآية محمولة على من يعلم الرسول والمرسل ، ثم إن لم يجر عليهم القلم في الدنيا ، فإنما رفع القلم عنها في الأحكام ، ولكن فيما بينها تؤاخذ .
وقد روى البخاري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « اقتلوا الوزغ « 5 » فإنه كان ينفخ على
هامش
( 1 ) إذا أشلى : أي دعى للصيد ، قال ابن السكيت : يقال : أوسدت الكلب بالصيد وأسدته إذا أغريته به ، ولا يقال أشليته إنما الأشلاء : الدعاء ( لسان العرب ، باب : شلا - مختار الصحاح - الرازي ص 304 ) .
( 2 ) أي الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايينى .
( 3 ) الثقلان : الإنس والجن .
( 4 ) الاستخمار : النحر والشق : نقول : مخر الذئب الشاة أي شقّ بطنها ومنها المواخر وهي السفن التي تشق المياه .
( 5 ) الوزغ : دويبة من الزحافات أشبه بالسحلية وهي سامة .