وما سقطت يوما من الدّهر أمّة * إلى الذلّ إلّا أن يسود ذميمها
إذا ساد فينا بعد ذلّ لئيمنا * تصدّى لنا ذلّ وقد أديمها
وما قادها للخير إلا مجرّب * عليم بإقبال الأمور كريمها
وما كلّ ذي لبّ يعاش بفضله * ولكن لتدبير الأمور حكيمها
واعلموا : أن معظم ما يدخل على الدول من الفساد ، من تقليد الأعمال أهل الحرص عليها ، لأنه لا يخطبها إلا لصّ في ثوب ناسك ، وذئب في مسلاخ « 1 » عابد ، حريص على جمع الدنيا ، نابذ لدينه ومروءته ، ( يبتغى عرض الحياة الدنيا ، وقد سبق المثل : الحرص على الأمانة دليل على الخيانة ) « 2 » .
يتخذون عباد اللّه خولا « 3 » ، وأموالهم دولا « 4 » .
وإذا اهتضمت حقوق المسلمين وأكلت أموالهم ، فسدت نيّاتهم ، وقلّت طاعاتهم ، فانتقضت الأمور ، ودبّ الفساد إلى الممالك ، وقد ذكرنا في أول الكتاب الآثار في كراهية الولايات .
وقال المأمون : ما فتق عليّ قطّ فتق « 5 » في مملكتي ، إلا وجدت سببه جور العمّال .
فإن قيل : فما معنى قول يوسف عليه السلام للملك :
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
[ يوسف : 55 ] .
قلنا : يوسف كان نبيا من أنبياء اللّه تعالى ، واثقا من نفسه بالكفاية والأمانة بين يدي من لا يتحقّق بواطن أسراره ، ولا يعلم خصائصه وفضائله ، ويرى الأمور والأعمال والولايات في أيدي من ليسوا أهلا لها ، ويجوز مثل هذا اليوم ، لمن حصل بين يدي جبّار ولا يعلم منزلته ، ولا ما عنده من الخصال والفضائل ، أن يذكر بعض ما يعلم من نفسه ، ليعلم قدره ، فيسلم بذلك من شره .
هامش
( 1 ) مسلاخ : ثوب أو إهاب وهو « جلد الحية » بعد أن ينسلخ عنها .
( 2 ) سقطت هذه العبارة من ( ط ) باستثناء : « دليل على الخيانة » .
( 3 ) الخول : العبيد .
( 4 ) دولا : متداولا .
( 5 ) الفتق : الخلل في العيش في كالخلافات أو الآفات كالجوع والمرض أو الجدب أو الفقر .