الله - ؟ قال : مثل سنّ عتّاب بن أسيد « 1 » ، لما ولّاه النبي صلى اللّه عليه وسلم مكة ، فهابوه لحدّة جوابه ، وعرفوا فضله ، وكان لعتاب بن أسيد إحدى وعشرون سنة لما ولى مكة .
وكان عمر يقول : لا يصلح أن يلي أمور الناس ، إلا حصيف العقل ، وافر العلم ، قليل الغرّة « 2 » ، بعيد الهمة ، شديد في غير عنف ، ليّن في غير ضعف ، جواد في غير سرف ، لا يخاف في اللّه لومة لائم .
وقال أيضا : ينبغي أن يكون في الوالي من الشدة ، ما يكون ضرب الرقاب عنده في الحق كقتل عصفور ، ويكون فيه من الرقة والحنوّ والرأفة والرحمة ، ما يجزع من قتل عصفور بغير حق .
ويروى أنّ الرشيد أحضر رجلا ليوليه القضاء ، فقال له : إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه ، فقال له الرشيد فيك ثلاث خلال : لك شرف ؛ والشّرف يمنع صاحبه من الدناءة ، ولك حلم يمنعك من العجلة ، ومن لم يعجل قلّ خطؤه ، وأنت رجل تشاور في أمرك ، ومن شاور كثر صوابه ، وأما الفقه فنضمّ إليك من تتفقه به ، فولى ، فما وجدوا فيه مطعنا .
وقال إياس بن معاوية « 3 » : استحضرنى عمر بن هبيرة « 4 » فحضرت فساكتنى فسكت ، فلما أطلت ، قال : إيه ؟ قلت : سل عما بدا لك . قال :
أتقرأ القرآن ؟ قلت : نعم ، قال : فهل تفرّض الفرائض ؟ قلت : نعم ، قال : فهل تعرف من أيام العرب شيئا ؟ قلت : أنا بها أعلم ، قال : فهل تعرف من أيام العجم شيئا ؟ قلت : أنا بها أعلم ، قال : إني أريد أن استعين بك ، قلت : إن فيّ ثلاثا لا أصلح معهن للعمل ، قال : ما هن ؟ قلت : أنا دميم « 5 » كما ترى ، وأنا
هامش
( 1 ) عتّاب بن أسيد بن أبي العيص القرشي الأموي ، من الولاة الأشراف ، أسلم يوم فتح مكة وكان شجاعا عاقلا ، استعمله النبي صلى اللّه عليه وسلم على مكة حين مخرجه إلى حنين وكان عمره 21 سنة ، وأقرّه أبو بكر واستمر إلى أن مات في السنة التي مات فيها أبو بكر الصديق رضى اللّه عنهم سنة 13 ه وقيل مات سنة 23 ه والله أعلم ( الأعلام 4 / 199 ) .
( 2 ) الغرة : الغفلة .
( 3 ) إياس بن معاوية : قاضى البصرة المشهور بذكائه وعدله .
( 4 ) عمر بن هبيرة : أمير من الدهاة الشجعان ، ولى العراق وخراسان وقد سبقت ترجمته .
( 5 ) الدميم : القيح المنظر .