حتى تغيرت عليه نفوس الخلق ، وتنكرت له وجود الورى ، فلما بلغ الأمين ، حبسه ثم أطلقه ، بعد أن أخذ عليه ، أن لا يشرب خمرا ، ولا يقول فيه شعرا .
فمتى أراد السلطان إصلاح رعيته ، وهو متماد على سيئ أخلاقه ، كان كمن أراد بقاء الجسد مع فقد رأسه ، أو أراد استقامة الجسم مع عدم حياته ، وكمن أراد تقويم الضلع مع اعوجاج الشخص ، وكيف يحيا النون « 1 » مع فساد الماء .
ولقد أصاب الخليل « 2 » في قوله : اصلح نفسك لنفسك يكون الناس تبعا لك .
وقديما قيل : من أصلح نفسه أرغم أنف أعدائه ، ومن أعمل جدّه بلغ كنه أمانيه .
وسئل بعض الحكماء : بم ينتقم الإنسان من عدوه ؟ فقال : بإصلاح نفسه .
ولأبى الفتح البستي « 3 » :
إذا غدا ملك باللّهو مشتغلا * فاحكم على ملكه بالويل والحرب « 4 »
أما ترى الشمس في الميزان هابطة * لما غدا وهو برج اللهو والطرب « 5 »
وصحبة الأشرار تورث الشر ، كالريح إذا مرت على النّتن حملت نتنا ، وإذا مرت على الطّيب حملت طيبا ، كقول الشاعر « 6 » :
لا تشرب الرّاح مع من لا خلاق له * واختر لنفسك حرّا طيب السّلف
فالرّاح كالرّيح إن مرّت على عطر * طابت ، وتخبث إن مرّت على الجيف
فمحال استصلاح رعيتك وأنت فاسد ، وإرشادهم وأنت غاو ، وهدايتهم وأنت ضال . وقد سبق المثل : ( ومن العجائب أعمش كحّال ) « 7 » وتقول العرب : يا طبيب طبّ نفسك ) .
هامش
( 1 ) النون : الحوت وقد لقب يونس عليه السلام بذى النون لأن الحوت ابتلعه ثم رماه على الشاطئ كما هو معروف في قصته عليه السلام .
( 2 ) الخليل بن أحمد : أشهر علماء اللغة وواضع علم العروض ، من أهل البصرة ، معلم سيبويه والأصمعي توفى نحو 170 ه
( 3 ) أبو الفتح البستي : كان شاعر عصره وقد سبقت ترجمته .
( 4 ) الحرب : الويل والهلاك .
( 5 ) الميزان : أحد أبراج السماء وهي اثنا عشر برجا منها الميزان ، ويقال : استقام ميزان النهار أي انتصف .
( 6 ) سقطت هذه الأبيات من ( ط ) .
( 7 ) الأعمش : من ضعف بصره مع سيلان دمعه في أكثر الأوقات .