الباب الثلاثون في الجود والسخاء وهذه الخصلة الجليل قدرها ، العظيم موقعها الشريف موردها ومصدرها
وهي إحدى قواعد المملكة وأساسها ، وتاجها وجمالها ، تعنوا « 1 » لها الوجوه ، وتذل لها الرقاب ، وتخضع لها الجبابرة ، ويسترق بها الأحرار ، ويستمال بها الأعداء ، ويستكثر بها الأولياء ، ويحسن بها الثناء ، ويملك بها القرباء والبعداء ، ويسود بها في غير عشائرهم الغرباء .
وهذه الخصلة بالعزائم الواجبات أشبه منها بالجمال والمتمّمات ، وكم قد رأينا من كافر ترك دينه والتزم دين الإسلام ابتغاء عرض قليل من الدنيا يناله ، وكم قد سمعنا من مسلم ارتد في أرض الشرك افتتانا بيسير من عرض الدنيا ، وأخلق بخصلة يترك لها الإنسان دينه الذي يبذل دونه نفسه ، أن تكون جليلة القدر ، وعظيمة الخطر ، وأحوج خلق اللّه إليها أفقرهم إلى عطف القلوب عليه ، وصرف الوجوه إليه ، وهم : الملوك والولاة .
واعلموا يا معشر من وسّع اللّه عليه دنياه ، وأسبغ عليه آلاءه ونعماءه أنه ليس في الجنة « لا » وحسبك بكلمة لا تدخل الجنة سقوطا وضعة « 2 » ، وإنما أسّست الجنّة على ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين .
وهذه الخصلة ، أعني - الكرم والجود والسخاء والإيثار - بمعنى واحد يوصف الباري تعالى بالجود ولا يوصف بالسخاء ، كما يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل ، لعدم التوقيف .
وحقيقة الجود : هي أن لا يصعب عليه البذل ، ويقال : السخاء هو الرتبة الأولى ، ثم الجود ، ثم الإيثار ، فمن أعطى البعض وأمسك البعض فهو صاحب سخاء ، ومن بذل الأكبر فهو صاحب جود ، ومن آثر غيره بالحاضر وبقي هو في مقاساة الضّرّ فهو صاحب إيثار .
هامش
( 1 ) تعنو : تخضع وتذل ومنها قوله تعالى :وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ[ طه : 111 ] .
( 2 ) الضعة : الانحطاط .