والسّخاء في الدين ، أن تسخو بنفسك أن تتلفها في اللّه تعالى « 1 » ، وتريق دمك في الله سماحة من غير كراهة ، لا تريد بذلك ثوابا عاجلا ولا آجلا ، وإن كنت غير مستغن عن الثواب ، لأن الغالب على قلبك حسن كمال السخاء ، بترك الاختيار على اللّه تعالى ، حتى يفعل الله بك ما لا تحسن أن تختاره لنفسك .
وقيل لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : من السيد ؟ قال : الجواد إذا سئل ، الحليم إذا استجهل ، الكريم المجالسة لمن جالسه ، الحسن الخلق لمن جاوره .
وقال النعمان بن المنذر « 2 » يوما لجلسائه : من أفضل الناس عيشا وأنعمهم بالا ، وأكرمهم طباعا ، وأجلهم في النفوس قدرا ؟ فسكت القوم ، فقال : فتى :
- أبيت اللعن « 3 » - أفضل الناس من عاش الناس في فضله ، قال : صدقت .
وقال الحسن « 4 » : باع طلحة بن عثمان « 5 » أرضا ، بسبعمائة ألف درهم ، فلما جاءه المال ، قال : إن رجلا يبيت هذا عنده لا يدري ما يطرقه لغرير باللّه ، ثم جعل رسوله يختلف حتى قسّمها ، وما أصبح عنده منها درهم .
وكان أسماء بن خارجة « 6 » يقول : ما أحب أن أردّ أحدا عن حاجة ، لأنه إن كان كريما أصون عرضه ، وإن كان لئيما أصون عنه عرضي .
وكان مورّق العجلي ، يتلطف في ادخال الرفق على إخوانه ، فيضع عند أحدهم ألف درهم ، ويقول : أمسكوها حتى أعود إليكم ، ثم يرسل إليهم : أنتم منها في حل .
هامش
( 1 ) هكذا في ( خ ) ، وفي ( ط ) أن تسخو بنفسك أن يتلفها اللّه تعالى .
( 2 ) النعمان بن المنذر : أشهر ملوك الحيرة سبقت ترجمته .
( 3 ) أبيت اللعن : تحية الملوك في الجاهلية ومعناها : لا فعلت أيها الملك ما تستوجب به اللعن .
( 4 ) الحسن البصري سبقت ترجمته .
( 5 ) طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان الصحابي المعروف بكرمه .
( 6 ) أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري ، تابعي من أهل الكوفة كان سيد قومه جوادا مقدما عند الخلفاء ولما سأله عبد الملك بن مروان بم سدت الناس ؟ قال ما سألني أحد حاجة إلا رأيت له الفضل عليّ مات سنة 66 ه .