في لذّة العفو ، ما تقرّبوا إليّ إلا بالجرائم ) . فاق حلمه سائر خلفاء بني العباس ، حتى صار يضرب المثل بحلمه ، وبهذه الخصلة تهيّأ ملكه ، وقهر أخاه الأمين .
ومنها دولة بني أميّة : أوّلهم معاوية بن أبي سفيان ، وآخرهم مروان الجعدي ، لم يكن فيهم أحلم من معاوية ، ولا جرم دانت له الدنيا « 1 » ، وملك بها رقاب العرب والعجم ، وصار حلمه يضرب به المثل ، ويقتدى به الخلق ، ويتخلّق به العقلاء ، حتى حكي عنه أنه كان يقول : لو كان بيني وبين الناس خيط عنكبوت ، أو شعرة ، ما انقطعت ، إذا جذبوها أرسلت ، وإذا أرسلوا جذبت .
وهذه دولة الفرس : وكانت أعظم دول الأرض وأشدّها بأسا ، وأكثرها علوما وحكما ، لم يكن في أكاسرها أحلم من كسرى أنوشروان ، وصار يضرب بحلمه المثل ، وتطرّز بسيرته الكتب والمصنّفات ، فيروى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - لقي كبيرا من كبراء فارس ، فقال له : ما أحمد خصال ملوككم ؟ . فقال : السّبق لشيرويه ، وأحمدهم سيرة أنوشروان .
فقال له علي : وما كان أغلب خصاله عليه ؟ . قال الحلم والأناة . فقال علي :
هما توأم ينتجهما علوّ الهمة .
وبلغ من حلمه أنه كان يضيق صدره بحلمه ، فقال فيّ خصلتان ، لولا أنهما ظاهرتان عند الرعيّة ، لضقت بهما ذرعا ، الحلم والأناة .
فأخلق بخصلة تعمّ منفعتها ، ويبقى على الدهر جمالها ، وتخلد في العلماء والعقلاء والملوك والسّوقة بهجتها ، وحسن مصادرها ومواردها ، أن يتخذها الملوك شعارا ودثارا ، وإنما قصدت الحكماء من الملوك خاصة ، فأمّا من سواهم من الرّعية - كالأحنف ونظرائه - فلا يحصون كثرة .
* * *
هامش
( 1 ) لا جرم : أي حقا .