وفي الحكمة مكتوب : من أطاع الغضب حرم السلامة ، ومن عصى الحقّ غمره الذّلّ .
وقال بعض الحكماء : كظم الغيظ حلم ، والحلم صبر والتشفّي ضرب من الجزع .
وقال آخر : أوّل الغضب جنون ، وآخره ندم .
وقال بعض الحكماء : إذا غلب على الرّجل أربع خصال فقد عطب :
الرغبة ، والرّهبة ، والشّهوة ، والغضب .
وقيل لبعض الصالحين : إنّ فلانا يقع فيك « 1 » ، فقال : لأغيظنّ من أمره ، يغفر الله لي وله ، قيل له : ومن أمره ؟ قال : الشيطان .
وقال رجل لأخيه : إني مررت بفلان وهو يقع فيك ، ويذكرك بأشياء رحمتك منها ، قال : فهل سمعتني أذكره بشيء ؟ قال : لا ، قال : فإيّاه فارحم .
وقال الفضيل « 2 » : ثلاثة لا يلامون على الغضب : المريض ، والصائم ، والمسافر .
وقال الأحنف بن قيس : لقد تعلّمت الحلم من قيس بن عاصم المنقري « 3 » .
إني جالس معه في فناء وهو يحدّثنا ، إذ جاء جماعة يحملون قتيلا ، ومعهم رجل مأسور ، فقيل له : هذا ابنك قتله أخوك ، فوالله ما قطع حديثه ولا حلّ حبوته « 4 » ، حتى فرغ من منطقه ، ثم أنشد :
أقول للنّفس تأنيبا وتعزية * إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه * هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
ثم التفت إلى بعض ولده فقال : قم فأطلق عمّك ، ووار أخاك ، وسق إلى أمّه مائة من الإبل ، فإنها غريبة .
هامش
( 1 ) يقع فيك : يشتمك ويغتابك .
( 2 ) هو الفضيل بن عياض ، العابد الصالح ، سبقت ترجمته .
( 3 ) قيس بن عاصم المنقري : أول من وأد البنات في الجاهلية للغيرة والأنفة وتبعه الناس في ذلك إلى أن أبطله الإسلام وهو من شعراء الجاهلية وحكمائها وفصحائها ، أسلم مع وفد تميم سنة 9 ه نزل البصرة في آخر أيامه وتوفي فيها سنة 20 ه . ( الأعلام 5 / 206 ) .
( 4 ) ما حل حبوته : أي لم يقم من مكانه حتى فرغ من كلامه .