وقال رجل لأبي ذر رضي الله عنه : أنت الذي نفاك معاوية من الشام ؟ لو كان فيك خير ما نفاك ، فقال : يا ابن أخي إن ورائي عقبة كئودا « 1 » ، إن نجوت منها لم يضرّني ما قلت ، وإن لم أنج منها فأنا شرّ مما قلت .
وقال لقمان لابنه : يا بني ، ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة : لا يعرف الحليم إلا عند الغضب ، ولا الشّجاع إلّا عند الحرب ، ولا أخوك إلا عند الحاجة إليه .
وسبّ رجل بعض الحكماء ، فأعرض عنه ، فقال له : إيّاك أعني ، فقال الحكيم : وعنك أعرض .
وفي هذا المعنى قيل :
قل ما بدا لك من زور ومن كذب * حلمي أصمّ وأذني غير صمّاء
وقيل يوما للأحنف : ما أحلمك ! فقال : لست بحليم ، ولكني أتحالم « 2 » ، والله إني لأسمع الكلمة فأجم « 3 » لها ثلاثا ، ما يمنعني من جوابها إلا الخوف من أن أسمع ما هو شرّ منها .
وقال الشاعر :
وليس يتمّ الحلم للمرء راضيا * إذا كان عند السّخط لا يتحلّم
كما لا يتمّ الجود للمرء موسرا * إذا كان عند العسر لا يتحشّم
وروي أن رجلا سبّ جعفر بن محمد « 4 » رضي الله عنه فقال : أمّا ما قلت ممّا هو فينا فإنّا نستغفر الله منه ، وما قلت مما ليس فينا فإنا نكلك فيه إلى الله تعالى .
وقال بعض الحكماء : احذروا الغضب فربّ غضب استحقّ الغضبان به غضب الله تعالى .
وقال أكثم بن صيفي : لا يكون الرجل حليما حتى يقول السّفيه : إنّه لضعيف مستذلّ ، ولا يكون مخلصا حتى يقول الأحمق : إنه لمفسد .
هامش
( 1 ) عقبة كئود : أي شاقة المصعد صعبة المرتقى .
( 2 ) أتحالم : أتظاهر بالحلم .
( 3 ) وجم الرجل وجما : سكت عن غيظه ، أو سكن وعجز عن التكلم من كثرة الغم أو الخوف .
( 4 ) جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الهاشمي القرشي ، من أئمة الإمامية الاثنا عشرية ، كان من أجلاء التابعين وله منزلة رفيعة في العلم ، أخذ عنه مالك وأبو حنيفة ولقب بالصادق لأنه لم يكذب قط ، له أخبار مع الخلفاء العباسيين حيث كان جريئا عليهم توفي سنة 148 ه . ( الأعلام 2 / 126 ) .