فقال : أخبرني عنه بثلاث . قال : كان لا يحرص ، ولا يجهل ، ولا يدفع الحقّ إذا نزل به . قال : فأخبرني عنه باثنتين . قال : كان يؤثر الخير ، ويتوقّى الشر . قال :
فأخبرني عنه بواحدة . قال : كان أعظم الناس سلطانا على نفسه .
وقال أكثم بن صيفي : الغلبة والعزّ للحلم .
وقال الأحنف بن قيس : وجدت الحلم أنصر لي من الرجال .
وصدق الأحنف ، فإن من حلم كان النّاس أنصاره ، كما روي أن رجلا أسرف في شتم بعض الأدباء ، وهو ساكت ، فحمى له بعض المارين في الطريق ، وقال له : يرحمك الله : ألا ننتصر لك ؟ قال : لا ، قال : ولم ؟ وقال : لأني وجدت الحلم أنصر لي من الرجال ، وهل حاميت فيّ إلا لحلمي ؟
وقال رجل لعمرو بن العاص : والله لأتفرغنّ لك ، فقال له : الآن وقعت في الشّغل .
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : إنّ رجلا ممن كان قبلكم ، استضاف قوما فأضافوه ، ولهم كلبة تنبح ، فقالت : والله لا أنبح ضيف أهلي الليلة ، فعوى جروها في بطنها ، فبلغ ذلك نبيّا لهم ، أو قيلا من أقيالهم « 1 » ، فقال : مثل هذا مثل أمّة تكون بعدكم ، يظهر سفهاؤها على حلمائها .
وقال الأحنف : إيّاكم ورأي الأوغاد « 2 » ، قالوا وما رأي الأوغاد ؟
قال : الذين يرون الصّفح والعفو عارا .
وسئل الأحنف عن الحلم ، فقال : هو الذي تصبر عليه ، ولست بحليم ولكنّي صبور .
ويروى أنّ المهلّب ، نازعه رجل من كبار بنى تميم ، فأربى « 3 » على المهلب ، والمهلب ساكت ، فقيل له في ذلك فقال : كنت إذا سبّني ، استحييت من سخف السّباب وغلبة اللئام والسّفلة ، وكان إذا سبّني تهلّل وجهه ، وشمخت نفسه ، بأن ظفر بفضل القحة « 4 » ، ونبذ المروءة ، وخلع ربقة الحياء ، وقلة الاكتراث بسوء الثناء .
هامش
( 1 ) القيل : الملك أو الرئيس دون الملك ، كان يلقب بذلك ملوك حمير .
( 2 ) الوغد : الأحمق ، الرذل والدنيء .
( 3 ) أربى : زاد وأفحش في الكلام .
( 4 ) القحة : القحة - بكسر القاف - أو القحة - بفتحها - وهي الوقاحة وقلة الحياء .