فصل في العقل المكتسب « * »
وأما العقل المكتسب : فهو نتيجة العقل الغريزي ، وهو ثقابة المعرفة ، وإصابة الفكرة وليس له حد ينتهي إليه ، لأنه ينمو إذا استعمل ، وينقص إن أهمل ،
ونماؤه يكون بأحد وجهين :
الوجه الأول :
إما أن يقارنه « 1 » من مبدأ النشوء ذكاء وحسن فطنة ، كالذي قال الأصمعي :
قلت لغلام حدث « 2 » من أولاد العرب ، كان يحدثني ، وأمتعني الله بفصاحته وملاحته : أيسرّك أن يكون لك مائة ألف درهم ، وأنك أحمق ؟ قال : لا والله ، قلت ولم ؟ قال : أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب بمالي ، ويبقى عليّ حمقي . فاستخرج هذا الصبي بفرط ذكائه ما يدق على من هو أكبر منه سنا .
وقيل لبعض الصبيان : ألك أب ؟ قال : فكأني عيسى ابن مريم ؟ ! .
وقد قالت الحكماء : آية العقل سرعة الفهم ، وغايته إصابة الوهم ، وليس للذكاء غاية ، ولا لجودة القريحة « 3 » نهاية .
ألا ترى أن إياس بن معاوية « 4 » ، الذي يضرب المثل بذكائه ، قال لأبيه وهو طفل - وكان أبوه يؤثر أخاه عليه - : يا أبت تعلم ما مثلي ومثل أخي معك : أنا كفرخ الحمام ، أقبح ما يكون أصغر ما يكون ، وكلما كبر ازداد ملاحة وحسنا ، فتبنى له العلالي ، وتتّخذ له المربعات ، ويستحسنه الملوك ، ومثل أخي مثل الجحش ، أملح ما يكون أصغر ما يكون ، وكلما كبر قبح وصار إلى القهقري ، إنما يصلح لحمل الزبل والتراب .
هامش
* من إضافات المحقق .
( 1 ) يقارنه : يصاحبه .
( 2 ) غلام حدث : غلام صغير السن .
( 3 ) قال لفلان قريحة جيدة : أي يستنبط العلم بجودة الطبع .
( 4 ) إياس بن معاوية المزني : قاضي البصرة المشهور بعدله وذكائه ، توفي سنة 122 ه . ( الأعلام 2 / 33 ) .