الباب الثالث والعشرون في العقل والدهاء والخبث « 1 »
قد ذكرت في كتاب الأسرار « 2 » ، حقيقة العقل وأقسامه ، ومحلّه وأحكامه ، بما لا مزيد عليه ، ونذكر هاهنا منافعه ومداركه ، ولباب ما تحرر من القول فيه : إنه الاستشهاد بالشاهد على الغائب ، فمن كان في طوقه « 3 » أن يستدل بما شاهد على ما غاب عنه ، كان معه عقل ، ويسمى عاقلا عند الموحّدين ، وبه يتوجه التكليف عليه ، وذلك أن من نظر إلى قصر قد كمل بنيانه ، وحصّنت أركانه ، وجعلت فيه من الآلات ما يكتفي به ساكنوه ، فأشرف عليه إنسان فرأى بيوتا مقطوعة « 4 » ، وأبوابا منصوبة « 5 » ، وفرشا مفروشة ، وزرابي مبثوثة « 6 » ، وموائد موضوعة « 7 » ، وصحافا مصفوفة « 8 » ، وأرائك منصوبة « 9 » ، وحجلا مشدودة « 10 » ، وطسوتا وأباريق ، وبيوت ماء ، وميازيب « 11 » تصب الماء ، وتحتها بلاليع لغيض « 12 » الماء ، إلى سائر ما يستعده العقلاء للانتفاع ، ثم فكر : هل هذا القصر بما حواه ، صنعه قادر صانع عالم حي ، أو اتفق لنفسه ، وتركب على صورته بلا صانع ؟ فيستقر في عقله بالضرورة ، استحالة وجوده من غير صانع ، وأنه مفتقر إلى صانع صنعه ، وهذا علم يهجم على العقول ، لا يفتقر إلى نظر واستدلال .
وإنما كثّرت لك هذه الأمثلة لأن ما في الإنسان من الأعضاء ، ولطيف الصنعة والعجائب أكثر مما في القصر بأضعاف مضاعفة ، فإذا نظر إلى ما في
هامش
( 1 ) في ( خ ) : ( المكر ) : بدل الخبث .
( 2 ) كتاب الأسرار : من الكتب التي ألفها أبو بكر الطرطوشي وقد أشار إليه في أكثر من موضع من هذا الكتاب .
( 3 ) أي في وسعه واستطاعته .
( 4 ) خاصة بأصحابها ولا نظير لها .
( 5 ) منصوبة : مقامة .
( 6 ) بسط فاخرة مفروشة بالمجالس .
( 7 ) موائد بين أيديهم يسهل تناولها عليهم .
( 8 ) موضوعة بعضها فوق بعض .
( 9 ) سرائر منجدة مزينة .
( 10 ) الحجلة : السترة المضروبة للعروس في جوف البيت .
( 11 ) مصارف للمياه .
( 12 ) قنوات لتصريف المياه في جوف الأرض .