وإذا ثبت هذا فاعلم أن الله تعالى ، خلق الخلق على أربعة أنحاء : ملائكة ، وآدميين ، وشياطين ، وبهائم .
فأما الملائكة فعقول بلا شهوات ، ولا هوى يقارنه .
وأما البهائم فشهوات بلا عقول .
وأما الشياطين والجن فركّب الله فيها العقول والشهوات والهوى .
وهكذا ركّب في بني آدم العقل والهوى والشهوة ، فغلبت شهوات الشياطين وهواهم عقولهم ، فقطعوا أوقاتهم بالأخلاق المذمومة بالكبر ، والعجب ، والمقت ، والفخر ، والدعوى ، والحسد ، والأذية ، وسائر الأخلاق المهلكة .
وأما البهائم فتقضي أوقاتها في شهوات البطن والفرج .
وأما الآدميون ، فركّب فيهم عقول الملائكة ، وأخلاق الشياطين ، وشهوات البهائم ، فمن غلب عقله هواه منهم فكأنّه من عالم الملائكة ، كالأنبياء ، والرسل ، والأولياء ، والأصفياء ، وقليل ما هم .
وأما من كان عقله مغلوبا بهواه وشهواته ، فإن كان ذلك من المباحات من المطاعم والمشارب ، والملابس والمراكب ، والنساء والخيل المسومة ، والأنعام والحرث ، فأكل وتمتّع بعد أن كسبه من حلّه ، فهذا من عالم البهائم ، وإنما ألحقناه بعالم البهائم لأنه لا تكليف على البهائم ، وكذلك هذه المباحات ، لا حرج في الاستمتاع بها ، بعد أن يكون كسبه من حلّه .
وإن كان الغالب عليه أخلاق الشياطين من الكبر ، والعجب ، والحسد ، والغش ، إلى سائر الأخلاق المذمومة ، فهذا من عالم الشياطين .
وإن اجتمع في الشخص إفراط الشهوات ، واتّباع الهوى ، والأخلاق المذمومة ، فيكون آدميا في صورته ، شيطانا في خلائقه ، بهيمة في شهواته ، فلا يصلح للصحبة ، وإن ثبت هذا فاعلم أن هذا العقل الغريزي أطول رقدة « 1 » من العين ، وأحوج إلى الشحذ من السيف « 2 » .
هامش
( 1 ) الرقدة : النوم .
( 2 ) شحذ السيف أو السكين : أحده بجعله حادا .