ولما دخل أسقف نجران « 1 » على مصعب بن الزبير « 2 » كلّمه بشئ أغضبه ، فضرب وجهه بالقضيب فأدماه ، فقال الأسقف : إن شاء الأمير أخبرته بما أنزل الله على عيسى عليه السلام ؟ قال : قل . قال : لا تغضب بعدها ؟
قال : هات ، قال : لا ينبغي للإمام أن يكون سفيها ومنه يلتمس الحلم ، ولا جائرا ومنه يلتمس العدل .
وقال الأوزاعي « 3 » : يهلك السلطان بالإعجاب والاحتجاب ، فأما الإعجاب فقد ذكرناه . وأما الاحتجاب : فهو أوحى « 4 » الخلال في هدم السلطان ، وأسرعها خرّا بالدول « 5 » ، فإنه إذا احتجب السلطان فكأنه قد مات ، لأن الحجبة موت حكمي ، فتعبث بطانته بأرواح الخلائق وحريمهم وأموالهم ، لأنّ الظالم قد أمن أن لا يصل المظلوم إلى السلطان ، ومعظم ما رأينا في أعمارنا ، وسمعنا عمن سبقنا ، من دخول الفساد على الملوك ، من حجبتهم عن مباشرة الأمور ، ولا تزال الرعية ذات سلطان واحد ما وصلوا إلى سلطانهم ، فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة .
أيها الملك المغرور ، احتجبت عن الرعية بالحجاب والأبواب ، وجعلت دونهم بروجا مشيّدة ، وحظائر بالحجارة والماء والطين مانعة ، وباب الله مفتوح للسائلين ، ليس هناك حاجب ولا بوّاب ، قال تعالى :
إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
[ الفرقان : 57 ] .
وقال معاوية : ليس بين أن يملك السلطان رعيته ، أو تملكه رعيته ، إلا الحزم والتوانى ، وكماله أمران : شدّة في غير إفراط ، ولين في غير امتهان .
وسئل بزرجمهر : أىّ الملوك أحزم ؟ قال : من ملك جدّه هزله ، وقهر لبّه
هامش
( 1 ) أسقف نجران ، من رؤساء النصارى ، ولعله « قس بن ساعدة » فقد كان أسقف نجران على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم .
( 2 ) مصعب بن الزبير : مصعب بن الزبير بن العوام ، أحد الولاة الأبطال في صدر الإسلام ، كان عضد أخيه عبد الله بن الزبير في تثبيت ملكه في الحجاز والعراق ، تولى البصرة وضبط أمورها وقتل المختار الثقفي ، ثم تجرد عبد الملك بن مروان لقتاله ، وقتل سنة 71 ه . ( الأعلام 7 / 247 ) .
( 3 ) الأوزاعي : عبد الرحمن بن عمرو ، ولد في بعلبك ، من أئمة الفقهاء ، وصاحب مذهب معروف ، كان جريئا احتج على ظلم الولاة ، توفي في بيروت سنة 157 ه . ( الأعلام 3 / 320 ) .
( 4 ) أوحى : أي أسرع .
( 5 ) خرّا بالدول : أي سقوطا بها .