وقالت الحكماء : خراب البلاد وفساد العباد ، مقرونان بإبطال الوعد والوعيد من الملوك .
والكذب أسقط الأخلاق ، وأغلب شيء على صاحبه ، وأحرى أن لا ينزع عنه لضراوته . وقيل لأعرابى : لم لم تكذب ؟ قال : لو تعزّزت به « 1 » ما تركته .
وهو نوع من الفحش ، وضرب من الدناءة ، وأصله استعذاب المنى ، وهو أضغاث فكر الحمقى ، ومن بليته : أنه يحمل على صاحبه ذنب غيره ، فإذا سمعت بكذبة طائحة نسبت إليه .
قال الشاعر :
حسب الكذوب من المها * نة بعض ما يحكى عليه
وإذا سمعت بكذبة * من غيره نسبت إليه
وقال غيره « 2 » :
لي حيلة فيمن ينمّ * وليس في الكذّاب حيلة
من كان يخلق ما يقو * ل فحيلتى فيه قليلة
وقال الله تعالى :
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ
[ النحل : 105 ] .
وأما الحسد : فإنه إذا كان حسودا لم يشرّف أحدا ، وإذا ضاعت الأشراف هلكت الأتباع ، ولا يصلح الناس إلا على أشرافهم .
قال الشاعر :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
وأما البخل : فإذا كان بخيلا لم يناصحه أحد ، ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة ، وليس للملك أن يبخل ، لأن بيوت الأموال في يديه .
وأما الجبن : فإذا كان جبانا اجترأ عليه عدوه وضاعت ثغوره .
وإذا كان حديدا غضوبا « 3 » ، والقدرة من ورائه هلكت رعيته ، وليس للملك أن يغضب ، لأن القدرة وراء حاجته .
هامش
( 1 ) تعززت به : أي صرت عزيزا به .
( 2 ) نسب الأبشيهي هذه الأبيات لشاعر اسمه : « محمود بن أبي الجنود » ( انظر : المستطرف في كل فن مستظرف 2 / 17 ) .
( 3 ) من الحدة والغضب .