وقال كسرى « 1 » : اتفقت ملوك العجم على أربع خصال : أن الطّعام لا يؤكل إلا على شهوة ، والمرأة لا تنظر إلا إلى زوجها ، والملك لا يصلحه إلا الطاعة ، والرعية لا يصلحها إلا العدل ،
وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل الملوك ، الذي بعدلهم يعدل من دونهم ، والذين إذا قالوا أو فعلوا ، كان نافذا غير مردود .
وقالت الحكماء : رم ما شئت بالإنصاف ، وأنا زعيم لك بالظّفر به ، والظلم أدعى شيء إلى تغيير نعمة أو تعجيل نقمة .
وقال الحكيم : شرّ الزّاد إلى المعاد الذنب بعد الذّنب ، وشر من هذا العدوان على العباد ، ومتى أراد السلطان حسن الصّيت « 2 » ، وجميل الذكر ، فليقم سوق العدل ، وإن أحبّ الزّلفى عند الله « 3 » وشرف المنزلة عنده ، فليقم سوق العدل ، وإن أحبّهما جميعا فليقم سوق العدل .
والذي يخلد به ذكر الملوك على غابر الدهور ، عدل واضح ، أو جور فاضح ، هذا يوجب له الرحمة ، وهذا يوجب له اللعنة .
أما القسم الثاني من العدل وهو السياسة الإصلاحية :
- وإن كان أصلها على الجور - فيقوم بها أمر الدنيا ، وكأنها تشاكل « 4 » مراتب الإنصاف ، على نحو ما كانت عليه ملوك الطوائف في أيّام الفرس ، وكانوا كفارا يعبدون النيران ، ويتبعون هواجس الشيطان ، فوضعوا بينهم سننا ، وأسسوا لهم أحكاما ، وأقاموا لهم مراتب في النّصفة بين الرعايا ، واستجباء الخراجات « 5 » ، وتوظيف المكوس « 6 » على التّجارات ، كل ذلك بعقولهم على وجوه ما أنزل الله بها من سلطان ، ولا نصّب عليها من برهان ، بيد أنه لما جاءت الشريعة من عند الله تعالى على لسان نبيه ، صاحب المعجزة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فمنها ما أقرّته في نصابه ، ومنها ما نسخته وأبطلت
هامش
( 1 ) كسرى : سبقت ترجمته .
( 2 ) الصيت : الذكر الحسن .
( 3 ) الزلفى إلى الله : التقرب إليه .
( 4 ) تشاكل : تشابه .
( 5 ) استجباء الخراجات : أي جباية الخراج ، ( المال المفروض على الأرض أو الجزية ) .
( 6 ) المكوس : دراهم كانت تؤخذ من بائعى السلع في أسواق الجاهلية ، أو ما يأخذه أعوان الدولة عن أشياء معينة عند بيعها أو عند إدخالها المدن .