النصيحة ، إنّ الدين النصيحة ، قالوا : لمن يا رسول اللّه ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) « 1 » .
فاتخذ أيها الملك العلماء شعارا ، والصالحين دثارا ، فتدور المملكة بين نصائح العلماء ، ودعوات الصلحاء ، وأخلق بملك يدور بين هاتين الخصلتين ، أن تقوم عمده ، ويطول أمده ، وكيف لا ؟ وقد فرقهم الله في سلطانه ، واصطفاهم بخالص معرفته ، فقال جلّ من قال :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ
[ آل عمران : 18 ] ، فبدأ بنفسه ، وثنّى بملائكته ، وثلّث بأولي العلم ، وهم ورثة الأنبياء عليهم السلام ، الموفّقون عن الله تعالى ، لأن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورّثوا العلم ، ففي تعظيمهم وتقريبهم امتثال لأمر الله تعالى ، وتعظيم لمن اثنى عليه ، ويجب ترفيع مجالسهم ، وتمييز مواضعهم عمن سواهم ، قال الله تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
[ المجادلة : 11 ] .
وفيه استمالة قلوب الرعية ، وخلوص نيّاتهم لسلطانهم ، واجتماعهم على محبته وتوقيره .
فواجب على السلطان أن لا يقطع أمرا دونهم ، ولا يفصل حكما إلا بمشاورتهم ، لأنه في ملك الله يحكم ، وفي شريعته يتصرف .
وأقلّ الواجبات على السلطان : أن ينزل نفسه مع الله منزلة ولاته معه ، أليس إذا خالف واليه أمره ، وما رسمه له من الأحكام عزله وعاقبه ، ولم يأمن سطوته ؟ وإذا امتثل أوامره وازدجر من زواجره ، حلّ منه محل الرضا ؟ فوا عجبا لمن يغضب على وإليه إذا خالفه ، ثم لا يخاف سطوة ربّه عليه إذا خالفه !
فهذه طريق إقامة العدل الشرعي ، والسياسة الإسلامية الجامعة لوجوه المصلحة ، الآخذة لأزمّة التدبير ، والسالمة من العيوب ، الممهّدة لاستقامة الدنيا والدين .
وكما أن الملك الحازم لا يتم حزمه إلا بمشاورة الوزراء والأخيار ، كذلك لا يتمهق عدله إلا باستفتاء العلماء الأبرار .
هامش
( 1 ) رواه الإمام أحمد ومسلم عن تميم الداري ، ورواه النسائي والترمذي عن أبي هريرة ، والحديث صحيح ( الجامع الصغير / للسيوطي ج 1 / 79 ، رقم : 1968 ) .