تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وليس يجد ما يواريه مصنوعا ولا ما يغذوه مطبوخا كما يكون لكثير من الحيوانات بل هو مضطر إلى إصلاحهما واصلاح ذلك يحوجه إلى آلات غير مفروغ منها والانسان الواحد لا توصل له إلى اعداد جميع ما يحتاج اليه ليعيش العيشة الحميدة فلم يكن بد الناس من تشارك وتعاون فجعل لكل قوم صنعة وهيئة مفارقة للصنعة الأخرى ليقتسموا الصناعات بينهم فيتولى كل منهم صنفا من الصناعات فيتعاطاه باهتزاز كما قال اللّه تعالى
( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )
فاقتضت الحكمة ان تختلف جثتهم وقواهم وهممهم فيكون كل ميسر لما خلق له . وقال تعالى
( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ )
فتكون معايشهم مقتسمة بينهم كما نبه اللّه عليه بالآيات المتقدمة . وقال تعالى
( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ )
والاختلاف الحاصل بيّن . فالناس إذا اعتبر اختلاف اغراضهم وهممهم فهم في صناعاتهم في حكم المسخرين وان كانوا في الظاهر مختارين . وقد أشار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ما يتعلق من المصلحة بتباينهم واختلاف طبقاتهم فقال : لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا

الباب الثالث عشر في سبب تفاوت الناس

أسباب ذلك سبعة أشياء الأول اختلاف الأمزجة وتفاوت الطينة واختلاف الخلقة كما أشير اليه فيما روي أن اللّه تعالى لما أراد خلق آدم
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 36 | الراغب الأصفهاني