أثارها لغرض بعيد ، وربما لكلمة أطلقت بحسن قصد .
ويبدو أن الاتهام بالاعتزال في هذا العصر كان شيئا مألوفا حتى بين العلماء أنفسهم أحيانا ، فقد اتهم ابن الصلاح الماوردي صاحب أدب الدنيا والدين ( ت 450 ه ) بالاعتزال ، كما جاء في طبقات السبكي ، وبنى ابن الصلاح اتهامه على فهم فهمه من كلام الماوردي ، وإن كان قد انصف الرجل حين قال « رجل لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة . . . ثم هو ليس معتزليا مطلقا فإنه لا يوافقهم في جميع أصولهم مثل خلق القرآن كما دل عليه تفسيره في قوله عز وجل
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
وغير ذلك « 1 » » .
ويدفع هذه التهمة محقق أدب الدنيا والدين فيقول : « غير أنا نقول إن اتهام المحدثين للعلماء بالاعتزال وبالتشيع وبما هو أكبر من ذلك . قد كثر وشاع ، ولعل هذا الذي ذكره ابن الصلاح كان نوعا من اجتهاد الماوردي ، وترجيحه بين الآراء العلمية ترجيحا عقليا ، يوافق بعض آراء المعتزلة أحيانا ، وهو بريء من الاعتزال حملة ، وكل ما في الأمر أنه غلبت عليه صفة الفقيه العالم الذي يوازن بين الآراء ، ويرجع بعضها على بعض ، دون نظر إلى القائل بهذا الرأي أو ذلك « 2 » » .
ويؤكد هذا بأن موافقة عالم من العلماء لطائفة ما في بعض آرائهم لا يسوغ عده منهم بل الموضوعية تقضي بأن نتحرى الموقف العلمي ، وغاية ما نرتضيه أن نحكم على الرجل أنه حاد في كذا عن سمته الفكري .
هذا والأمر لا يزال في دائرة الظن ، والظن هنا لا يغني عن الحق شيئا ،
هامش
( 1 ) السبكي / طبقات الشافعية / 3 / 313 .
( 2 ) الماوردي / أدب الدين والدنيا / تحقيق د . مصطفى السقا / ص 6 من المقدمة / ط 1 .