في بيان ما ورد من الآيات المتفاوتة الظاهر في شأن الدنيا
من تصور الوجوه الثلاثة التي تقدم ذكرها في تناول الدنيا سقطت شبهته فيما ورد من الآيات والأخبار المتفاوتة في الظاهر ، من ذم الدنيا وأعراضها تارة ، ومدحها تارة ، وذلك أن ما جاء من ذمها فاعتبارا بمن رضيها حظا لنفسه ، وجعلها مبلغ مراده ، كما قال تعالى :
وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها
« 1 » .
وما جاء من مدحها فباعتبار تناولها وإنفاقها على ما يحمد ، وعلى ذلك ما قال أمير المؤمنين عليّ كرم اللّه وجهه : ( الدنيا دار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها . الناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها ، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها ) « 2 » .
وعلى هذين الوجهين مدح تارة عمارة الأرضين فقال تعالى :
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها
« 3 » ، وقال عليه السّلام : « من غرس غرسا لم يأكل منه طائر ولا بهيمة إلا كان له صدقة » « 4 » . وقد ذم مرة عمارتها فقال تعالى :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها
« 5 » الآية ، وقد قال عليه السّلام : « الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها » « 6 » .
هامش
( 1 ) يونس / 7 .
( 2 ) نهج البلاغة / 384 .
( 3 ) هود / 61 .
( 4 ) لفظ البخاري « ما من مسلم غرس عرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة » البخاري كتاب الأدب / 27 حديث / 6012 فتح الباري / 10 / 438 .
( 5 ) الروم / 9 .
( 6 ) هو في معنى حديث رواه البخاري « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل » -