وتأمل حال مريم عليها السّلام وقد جعل لها من الرطب الجني ما كفاها مؤنة الطلب ، وفيه أعظم معجزة ، فإنه لم يخلها من أن يأمرها بهزها ، فقال تعالى :
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا
« 1 » .
وكما أن البدن يتعود الرفاهية بالكسل كذلك النفس بترك النظر والتفكر تتبلد وتتبله ، وترجع إلى رتبة البهائم .
فحق الإنسان ألا يذهب عامة أوقاته إلا في إصلاح أمر دينه ودنياه ، ومتوصلا به إلى إصلاح أمر آخرته ، ومراعيا لها ، قال الحجاج : إن امرءا أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر فيها ربه ، أو يستغفر من ذنبه ، أو يفكر في معاده لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة .
وإذا تأملت قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « سافروا تغنموا » « 2 » ، ونظرت إليه نظرا عاليا علمت أنه حثك على التحرك الذي يثمر لك جنة المأوى ، ومصاحبة الملأ الأعلى ، بل مجاورة اللّه تعالى .
وذلك يحتاج إلى أربعة « 3 » أشياء :
معرفة المقصود المشار إليه بقوله تعالى :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 4 » .
ومعرفة الطريق إليه المشار إليه بقوله تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي
هامش
( 1 ) مريم / 25 .
( 2 ) سبق تخريجه .
( 3 ) ذكر في ط خمسة أشياء ، وفي د ثلاثة أشياء ، ولم يتفق في أيهما العدد مع المعدود ، ولكن أذكرت أربعا وعدت أربعا .
( 4 ) الذاريات / 50 .