معاداة بعض الناس لبعض العلوم
العلم طريق إلى اللّه تعالى ذو منازل ، وقد وكل اللّه تعالى بكل منزل فيها حفظة كحفظة الرباطات والثغور في طريق الحج والغزو ، فمن منازله معرفة اللغة التي عليها بني الشرع ، ثم حفظ كلام رب العزة ، ثم سماع الحديث ، ثم الفقه ، ثم علم الأخلاق والورع ، ثم علم المعاملات ، وما بين ذلك من الوسائط ، من معرفة أصول البراهين والأدلة ، ولهذا قال اللّه تعالى :
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ
« 1 » ، وقال تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
« 2 » وكل واحد من هؤلاء الحفظة إذا عرف مقدار نفسه ومنزلته ، ووفى حق ما هو بصدده فهو في جهاد يستوجب من اللّه تعالى أن يحفظ مكانه ثوابا على قدر عمله .
لكن قل ما ينفك كل منزل منها من شرير في ذاته ، وشره في مكسبه ، وطالب لرئاسته ، وجاهل معجب بنفسه ، يصير لأجل تنفيق سلعته صادفا عن المنزل الذي فوق منزلته من العلم وعائبا له ، فلهذا ترى كثيرا ممن حصل في منزل من منازل العلم دون الغاية عائبا لما فوقه ، وصارفا عنه من رامه ، فإن قدر أن يصرف عنه الناس بشبهة مزخرفة فعل وإلا نفر الناس عنه بوجه آخر ، فهو ممن قال اللّه تعالى فيهم :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
« 3 » الآية .
ولا أرى من هذا صنيعة إلا من الذين وصفهم اللّه تعالى بقوله :
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
« 4 » الآية .
هامش
( 1 ) آل عمران / 163 .
( 2 ) المجادلة / 11 .
( 3 ) فصلت / 26 .
( 4 ) إبراهيم / 3 .