استحسان معرفة أنواع العلوم
حق الإنسان ألا يترك شيئا من العلوم أمكنه النظر فيه ، واتسع العمر له إلا ويخبر بشمه عرفه وبذوقه طيبه ، ثم إن ساعده القدر على التغذي به والتزود منه فبها ونعمت ، وإلا لم يبصر - لجهله بمحله وغباوته عن منفعته - إلا معاديا له بطبعه .
فمن يك ذا فم مر مريض * يجد مرا به الماء الزلالا « 1 »
ومن جهل شيئا عاداه ، فالناس أعداء ما جهلوا ، بل قال اللّه تعالى :
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
« 2 » .
وقد حكى عن بعض فضلاء القضاة أنه رئى بعد ما طعن في السن وهو يتعلم أشكال الهندسة ، فقيل له في ذلك . فقال : وجدته علما نافعا فكرهت أن أكون لجهلي به معاديا له .
ولا ينبغي للعاقل أن يستهين بشيء من العلوم ، بل يجب أن يجعل لكل واحد حظه الذي يستحقه ، ومنزلته التي يستوجبها ، ويشكر من هداه لفهمه ، وصار سببا لعلمه ، فقد حكي عن بعض الحكماء أنه قال : يجب أن نشكر آباءنا الذين ولدوا لنا الشكوك إذ كانوا أسبابا لما حرك خواطرنا للنظر في العلم ، فضلا عن شكر من أفادنا طرفا من العلم ، ولولا مكان فكر من تقدمنا لأصبح المتأخرون حيارى قاصرين عن معرفة مصالح دنياهم فضلا عن مصالح أخراهم .
فمن تأمل حكمة اللّه تعالى في أقل آلة يستعملها الناس كالمقراض حيث جمع
هامش
( 1 ) هو للمتنبي في ديوانه / 141 .
( 2 ) الأحقاف / 11 .